مصطفى حبوش
غزة - الأناضول
(صحيفة يديعوت).. تردد صدى هاتين الكلمتين في ممر يربط 12 زنزانة، تبعه صوت صرير باب حديدي صدئ يُفتح بقوة، ويدلف منه 15 رجلاً.
كان أمام مُتَلَقِي الصوت الأول (صحيفة يديعوت) 20 ثانية ليعيدوا كل شيء إلى ما كان عليه.. نجحوا في مهمتهم، لكن خطأ قاتلا نسف كل احتياطاتهم.
هي "حكاية غامضة" لن يفهمها إلا من عاش خلف قضبان وأسلاك شائكة وحراسة إسرائيلية مشددة.
فجميع هذه الأحداث دارت في سجن "نفحة" الصحراوي، في محاولة لإخفاء هاتف محمول قبل أن تصل وحدة "ناحشون" الإسرائيلية لتفتيش زنازين الأسرى بحثاً عنه.
كل تفاصيل هذه "المغامرة الغامضة" يرويها للأناضول "أحمد الفليت" وهو أسير فلسطيني أفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل، بوساطة مصرية عام 2011، بعد أن قضى في السجن 20 عامًا؛ بتهمة قتل مستوطن إسرائيلي عام 1992.
ويقول "الفليت" إن "صحيفة يديعوت" هي كلمة السر التي نطق بها أسير تقابل غرفته بوابة القسم، الذي نُحتجز فيه؛ لتحذير بقية الأسرى من أن قوة شُرطية ستقتحم السجن بعد 20 ثانية.. وهي ذات الفترة التي يجب على الأسرى أن يخفوا فيها هاتفاً محمولاً في ثقب بأحد جدران السجن، وإعادة إغلاقه.. لكن الأسير المكلف بالمهمة لم ينتبه إلى أن الثقب لم يغلق جيدًا، وعند اقتحام السجن وتفقد جدرانه وأرضيته، تم ملاحظة الثقب في الجدار، ومن ثم مصادرة الهاتف.
وعند هذا الحد لم ينتهِ الأمر، فـ"العقاب آت لا محالة، إذ أن العثور على هاتف محمول بحوزة أسير في سجون إسرائيل يعني عقوبات جماعية، تبدأ بمصادرة كافة الأدوات الكهربائية وأغراض الأسرى، والحرمان من الزيارة لمدة شهرين، والمنع لمدة شهرين من الخروج إلى ساحة السجن لمدة ساعة يوميا"، بحسب "الفليت".
كذلك "المنع لمدة شهرين من استخدام الكنتينة (مبالغ مالية تُرسل للأسرى من ذويهم ليشتروا بها احتياجاتهم من داخل السجن)، وفرض غرامة مالية تصل لـ5000 شيقل إسرائيلي (1400 دولار)، وأخيراً تحويل بعض الأسرى إلى العزل الانفرادي"، وفقا للأسير السابق.
أما تاريخ هذه الحكاية، التي يصفها "الفليت"، بـ"المعركة"، فتعود إلى عام 2000، عندما تمكن أسرى في سجن نفحة من تهريب هاتف محمول من نوع "موتورولا c7" عبر أهل أحدهم أثناء زيارة".
ووفقا للأسير السابق، "استمر الهاتف بحوزتنا ما بين عامي 2000 و2006. وخلالها تعطلت بطاريته فاستعضنا عنها ببطاريات راديو صغيرة، وتعطلت شاشته فظللنا نستخدمه دون شاشة، إلى أن عثرت عليه الشرطة الإسرائيلية في ثقب بأحد جدران السجن".
ويوضح أن "تهريب الهواتف المحمولة بين عامي 2000 و2004 كان يتم عبر الأهل.. فالغرفة التي يزور فيها الأهل أبناءهم الأسرى تتألف من قسمين، أحدهما يجلس فيه الأهل، والآخر للأسرى، ويفصل بينهما شباك حديدي به ثغرات صغيرة، فكان الأسرى يزودون الأهل بمقاسات هذه الثغرات، ليجلبوا هاتفًا يتناسب معها.. وأثناء الزيارة يتم تفكيك الهاتف إلى ثلاث قطع وتمريريها عبر الشباك".
وقد "كلفت هذه العملية المعقدة الأسرى وذويهم الكثير من المعاناة والعذاب، إذ جرى حرمان مئات الأسرى من الزيارات، وأحلت مصلحة السجون الإسرائيلية ألواحا زجاجية محل الشباك الحديدي، بحيث يتحدث الأهل والأسير عبر هاتف"، بحسب "الأسير السابق".
ويضيف أنه "بعد العام 2004 تمكنت السلطات الإسرائيلية من منع تهريب الهواتف المحمولة، فاضطر الأسرى إلى عقد صفقات ضخمة، بحيث تتجاوز قيمة الهاتف فيها الـ60 ألف شيقل (16 ألف دولار أمريكي)، ولا تتعدى نسبة نجاحها الـ30%".
تفاصيل هذه "الصفقات"، بحسب "الفليت"، "تبقى سرية، وتمر بثماني مراحل، إلا أن خطوطها العريضة تتمثل في اشتراك 60 أسيراً فلسطينياً محتجزين جميعهم بقسم واحد".
ويوضح أنه في هذه الصفقة "يتم تكليف أحدهم بشراء الهاتف، فيتواصل مع شخص خارج السجن (أحيانا يكون أحد السجانين)، ويسلمه المبلغ المتفق عليه عن طريق شبكة علاقات خارجية، فالأسرى لا يمكنهم حمل أموال داخل السجن".
و"بعد استلام المبلغ، يعمل الشخص على تهريب الهاتف إلى الأسرى بطريقة معينة، وتستمر العملية شهرا كاملا وربما تتجاوز العامين، وإذا فشل التهريب لا تعود إلى الأسرى أموالهم"، وفقا للأسير السابق.
ويضيف أن "الأسرى يفضلون أن يكون الهاتف المهرب من نوع نوكيا قديم، حيث يتحمل الاستخدام ساعات متتالية وندرة تعرضه للتلف وسلاسة إصلاحه وصغر حجمه؛ ما يعني سهولة إخفائه".
وفي حال نجاح تهريب الهاتف، بحسب "الفليت"، "يكون استخدامه بين السادسة صباحاً والسادسة مساءً، وهي فترة لا يدخل خلالها رجال الشرطة أقسام السجن، حيث يعمل الأسرى في القسم الواحد على تنظيف الزنازين، وتبادل حاجياتهم ونقل المياه والطعام".
"ولكل أسير داخل القسم أن يستخدم الهاتف لسبع دقائق كل عشرة أيام، فيتواصل مع أهله، لاسيما أولئك الأسرى المحرومون من الزيارة، وهم حوالي 55% من الأسرى".
ولا يقتصر استخدام الأسرى للهاتف على الاتصال بذويهم، إذ نجح "الفليت" عام 2008، عندما كان أسيرًا، في تهريب هاتف مزود بكاميرا بعد ثلاث محاولات فاشلة كلفته وآخرين 135 ألف شيقل إسرائيلي (36 ألف دولار أمريكي).
وتم استخدام الهاتف الجديد، الذي عثرت عليه شرطة السجون الإسرائيلية خلف "بلاط سيراميك مغسلة حمام السجن"، في تصوير الأسرى، وتهريب صورهم إلى خارج السجن، وبهذه الصور أقيم معرض "أرواح لا صور" قبل شهرين في مدينة غزة.
كما نجح "الفليت" في تهريب هاتف من نوع نوكيا "c5"، وقبل الإفراج عنه بعامين تمكن من تهريب هاتف من نوع "نوكيا x6".
لكن "الأسرى أبلغوني أن الشرطة عثرت على الهاتف الأخير داخل بلاطة حديدية حرارية تستخدم لطهي الطعام، حيث قام الأسرى بقص الغطاء العلوي لهذه البلاطة والحفر داخلها وتغطية الهاتف بمادة تعزله عن الحرارة، وإعادة إغلاق البلاطة وتشغيلها، فأي خلل في هذه البلاطة يعني مصادرتها، إذ إن مصلحة السجون ترفض وجود أي جهاز معطل داخل غرفة السجن".
ولمنع الأسرى من استخدام الهواتف المحمولة، تستخدم مصلحة السجون الإسرائيلية عدة طرق، منها حملات التفتيش المفاجئة، التي تقوم بها ثلاث وحدات شرطية، هي "ناحشون"، و"ديرور"، و"يماس دارو"، فضلاً عن الاقتحامات الليلة، وتركيب أجهزة تشويش تحجب الإرسال عن الهواتف المحمولة.
ويوضح "الفليت" أن "أجهزة التشويش يضعف أداؤها بعد فترة، إضافة إلى صعوبة زرعها في كل زنزانة داخل السجن؛ لكون أسعارها مرتفعة جداً"، مضيفا أنه "أحيانا يستمر تفتيش غرف السجن لسبع ساعات متواصلة، حيث يتم فحص الأرضيات والجدران مليمتمر مليمتر". في المقابل، "يستخدم الأسرى عشرات الطرق لإخفاء الهواتف منها: الحفر في الجدارن، وأسفل بلاط السجن، والحفر في كعب الأحذية، وإزالة بلاط السيراميك والحفر خلفه"، وفقا للأسير السابق "أحمد الفليت".
news_share_descriptionsubscription_contact
