نور أبو عيشة
صور- مصطفى حسونة
فيديو- متين كايا
غزة - الأناضول
لم تكن غزة تمثل بالنسبة للمهندس الإندونيسي "نور إخوان أبدي" هو وأبناء وطنه إلا أرضاً محتلة يرونها كـ"السجنِ" لكنه مغلق من الجانبين، حيث لا يدخل إليها أحد كما توصدُ أبوابها أمام من يريد أن يخرج.
وما أن حلت أواخر العام 2008، ومع بداية الحرب الإسرائيلية آنذاك على قطاع غزة، حتى تحولت المدينة إلى نشرةِ أخبارٍ "تلفزيونية" تمتد لـ24 ساعةً يومياً، وتغيرت بالتالي صورة غزةَ في أعين الإندونيسيين من "سجن" إلى "قضيةٍ" يؤمنون بها.
الشاب "نور إخوان أبدي" 31 عاماً، المهندس المدني القاطن في جزيرة "سومطرة" بأندونيسيا، والمتطوع في مؤسسة (Mer-c) "لجنة إنقاذ الطوارئ الطبية" الإندونيسية الخيرية، كان يتنقل بين المدن المنكوبة في إندونيسيا لمساعدة أهلها، لكنه قرر حينها أن يمد يد العونِ إلى الشعب الغزي بعد انتهاء حرب غزة في يناير كانون/ الثاني 2009.
وقال "أبدي" لمراسلة الأناضول "في عام 2009، بعد أن طرحت مؤسسة (Mer-c) فكرة تمويل وانشاء مستشفى إندونيسي في قطاع غزة للمساهمة في إعادة إعمار القطاع الذي دمرته إسرائيل، أسرعتُ لتسجيل اسمي في قائمة المهندسين الراغبين في تقديم المساعدة".
وأضاف أن "المؤسسة اختارت 4 مهندسين من المتقدمين للذهاب إلى غزة، والحمد الله أنني كنت من بينهم".
وذكر "أبدي" أنهم حاولوا الوصول إلى غزة عبر الطريق المصري (معبر رفح )، إلا أن السلطات المصرية تحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك آنذاك، رفضت إدخال أي قافلة تحمل مساعدات إلى غزة، مكملاً: "واستمر حالنا على هذا الوضع حتى تاريخ 20- 4- 2010".
سمع "أبدي" حين ذاك أن تركيا قررت إرسال سفينة أطلقت عليها اسم "مرمرة" محملة بمساعداتٍ إلى غزة، فتوجهت مؤسسة (Mer-c) على الفور بالتنسيق مع تركيا للسماح للمهندسين الأربعة بالوصول إلى غزة من خلال "مرمرة".
وأوضح "أبدي" أنهم اشتروا مستلزمات البناء من تركيا، من الحديد والإسمنت، ووضعوها على متن سفينة "مرمرة" تأهباً للانطلاق إلى غزة.
وفي ذلك الوقت، دعت إسرائيل سفينة مرمرة للتوقف، ولعدم دخول مياهها الإقليمية، وهددت باستهداف أي سفينة تعبر المياه الإقليمية.
وفي الحادي والثلاثين من شهر مايو/ أيار لعام 2010، صدقت إسرائيل ما "هددت"، وفتحت نيرانها صوب السفينة، وهكذا رأى "أبدي" الصورة: "البحرية الإسرائيلية تحاصر مرمرة من الجوانب الأربعة، والطائرات الإسرائيلية تحلق فوقها كالغربان"، على حد وصفه.
وتابع :"أخرجَ أحد المتطوّعين على متن السفينة خرطوم ماء ووجّهه نحو الجنود الإسرائيليين الذين كانوا ينزلون عبر الحبال من الطائرات المروحية إلى ظهر السفينة، لكنّه أصيب بعيارٍ ناريّ في ساعده، ففقد وعيه على الفور".
لكن الأمور لم تسر كما أراد "أبدي" ورفاقه الأتراك على متن "مرمرة"، حيث سيطرت إسرائيل على السفينة، بعد معركةٍ استخدمت فيها أسلحةً حديثة متطورة، ضدّ "خرطومِ ماء"، فقتلت 9 أتراكٍ وأصابت 60 آخرين.
ومن أصعب ما واجه "أبدي" في مرمرة، كان حين أمسك به الجنود الإسرائيليون وكبّلوا يديه، وضربوه بسلاح حديدي على ظهره، فألقوا به أرضاً، وبعد أن كبّلوا الكثير من المتضامنين بـ"معاصم" حديدية، ثم أخذوهم إلى ميناء "أسدود" الإسرائيلي.
وأشار "أبدي" إلى أنهم خضعوا وملابسهم لتفتيشٍ "دقيق" في "أسدود"، وبعد ذلك تم نقلهم إلى أحد السجون الإسرائيلية "الجنائية"، التي مكثوا فيها لمدةٍ يومٍ على الأقل، حيث أُفرج عنهم جميعاً.
وبعد أحداث "مرمرة" رجع "أبدي" وأصدقاؤه المهندسون إلى إندونيسيا بـ"خفي حنين"، لكنّهم لم يستسلموا للوضع الراهن، ولم ييأسوا، فاستمروا في تقديم أوراقهم حتى حصلوا على تأشيرة الدخول في يوليو/ تموز 2010.
وبعد وصولهم إلى غزة، شرعوا في أعمالهم لبناء المستشفى "الإندونيسي"، حيث مرّ البناء بمرحلتين، الأولى وهي مرحلة رسم "المخطط الهندسي"، والتي استمرّت مدة عامٍ كامل تحت إشراف " أبدي"، حيث تم الانتهاء منها في الأول من مايو/آيار عام 2012.
أما المرحلة الثانية "البناء والتشطيب" التي لم تنته بعد فقد بدأت بعد أن خصّصت وزارة الصحة بغزة قطعة أرض مساحتها 16 دونماً بمدينة بيت لاهيا (شمال)، وبدأت في الأول من نوفمبر/تشرين ثاني لعام 2012.
واستمر أبدي في روايته قائلا: "نحن كإندونيسيين، وضعنا الاقتصادي لا يؤهلنا لتقديم مساعدات مالية للشعب الغزي، فجئنا إلى غزة لبناء مستشفى إندونيسي، بأيادٍ إندونيسية بحتة، على الطراز الإندونيسي أيضاً".
وأوضح أن عدد الاندونيسيين المشاركين في بناء المستشفى بغزة وصل إلى 26 مهندساً وعاملاً.
وعايش العمّال الإندونيسيون خلال المرحلة الثانية من بناء المستشفى، الحرب الإسرائيلية الثانية التي تعرض لها قطاع غزة في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2012.
وقال "أبدي": "توترنا في أول يوم بالحرب، عند سماعنا لأصوات الانفجارات والاهتزازات، لكننا منذ البداية اعتدنا عليها، ولم نأخذها شماعةً (سببا) لنعلّق عليها تأخر بناء المستشفى، وواصلنا العمل مع بداية اليوم الثاني من الحرب".
ولفت "أبدي" إلى أنهم كانوا يواصلون أعمالهم باستمرار في "الطابق السفلي من المستشفى، بالتوازي مع استمرار أصوات الانفجارات والرصاص".
وعن ظروف حياتهم المعيشية في غزة، ذكر "أبدي" أنهم يسكنون في "الطابق السفلي" من المستشفى، كما أن مؤسسة (Mer-c) ترسل إليهم نقودا تكفي طعامهم فقط، على الرغم من عملهم التطوعي في غزة.
وحول تعامل أهل غزة مع الإندونيسيين المتطوعين لبناء المستشفى، أشار "أبدي" إلى أن الشعب الغزي شعبٌ مضيافٌ كريم، مضيفاً: "أحببت أهل غزة، وتمسكهم بأرضهم، وإيمانهم بالله، وصبرهم على مأساتهم".
يُشار إلى أن "أبدي" تعلّم العربية من خلال التحاقه بمركز القرآن الكريم والدعوة في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث قدم المركز دورةً تدريبية للغة العربية لغير الناطقين بها.
وحول عائلة "أبدي" في إندونيسيا، ذكر "أبدي" أنه متزوج وأبٌ لثلاثةِ أطفال، منذ عام 2010 لم يزر عائلته إلا مرة واحدة فقط