محمد منصور
غزة - الأناضول
رغم القصف الإسرائيلي العنيف الذي يتعرّض له قطاع غزة، منذ الأربعاء الماضي، ووقوع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، فإن الفلسطينيين ما زالوا يمارسون طقوسهم حياتهم الدينية بشكل شبه اعتيادي.
العملية العسكرية الإسرائيلية، تسببت بشلل شبه كامل في الحياة العامة في القطاع، إلا إنها لم تفلح في التأثير على عادات السكان المتعلقة بالعبادة.
والملاحظ، كما رصده مراسل "الأناضول" هو زيادة أعداد مرتادي المساجد في ظل التصعيد العسكري بشكل لافت رغم الأخطار المحدقة بكل من يخرج من بيته.
"ياسر عبد الرحمن"، إمام مسجد التابعين وسط قطاع غزة، يرجع أسباب الظاهرة إلى رغبة كثيرين في العودة إلى الله، معتبرًا أن الأزمات تجعل الإنسان في حاجة لأن يكون أكثر قربًا من خالقه.
وقال مبتسمًا إن "المسجد اليوم في صلاة جمعة دائمة وهذا من المبشرات بالنصر القريب".
وكثيرًا ما يتداول الفلسطينيون مقولة من يصفونه بأحد قادة إسرائيل التاريخيين بن غوريون والذي قال كما يعتقدون: "لن نخشى من المسلمين إلا عندما يكون عدد المصلين في صلاة الفجر مثل عددهم في صلاة الجمعة".
ويأمل أبو محمد (في السبعينيات من عمره)، وهو أحد رواد مسجد حسن البنا وسط قطاع غزة والذي استشهد بمقولة القائد الإسرائيلي، أن تكون هذه الأعداد التي تحضر في كل صلاة سببًا في عودته إلى أرضه أسدود التي تركها شبلاً صغيرًا قبل أكثر من ستين عامًا.
ويوضح، بلغته البسيطة لمراسل وكالة الأناضول للأنباء، أنه "عندما يرانا الله قريبين منه فسيعطينا ولن يبخل علينا بنصره وتمكينه وسيعيد لنا أرضنا وسيحرر لنا مقدساتنا وحلمنا بالعودة إلى بيوتنا وبياراتنا في أسدود والمجدل وحمامة لن يكون بعيداً".
أما محمد نصار فقد اختلف مع سابقيه، معتبرًا الإقبال الكبير على المساجد في فترة التصعيد والحرب تعبيرًا عن حالة الخوف من الموت التي تملأ قلوب الناس في قطاع غزة نتيجة الجرائم المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين العزّل فيها.
ويقول نصار، وهو شاب عشريني، "الموت يحيط بالناس من كل مكان والنفس تحب أن تحس بالطمأنينة ورضا الضمير حتى تبدد حالة الخوف مما يجعل الناس يهرولون إلى المساجد وكأنها فرصة للنقاهة المؤقتة في رحاب الله" بحسب تعبيره.
وترفض مجموعة من الشباب التقاهم مراسل "الأناضول"، بعد صلاة الفجر، رأي محمد، معتبرين أن مجيئهم للمسجد كل صلاة لا يعني بالضرورة خوفهم من الموت بل هو محاولة للتوبة والعودة إلى الله طلبًا للنصر وردد أحدهم قول الله تعالى "إن تنصروا الله ينصركم".
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة استغلت الأعداد الكبيرة التي ترتاد المساجد في محاولة لبث رسائل الطمأنة والأمل في نفوس الناس وشحنهم بالمعنويات الكبيرة من خلال استذكار التاريخ واستجلاب المواقف التاريخية للمسلمين.
ويعتبر رئيس قسم الوعظ والإرشاد في مديرية المحافظة الوسطى من قطاع غزة الشيخ أحمد أبو دلال أن "الناس تلجأ إلى الله أملاً في النصر وإبعاد الأذى عن أبنائهم وذويهم ورغبة في وعد الله بالتمكين لعباده المستضعفين الذين يواجهون واحدة من أعتى القوى على وجه الأرض بصدورهم العارية وأجسادهم العزلاء".
ويرفض أبو دلال الرأي الذي جعل من الخوف دافعًا رئيسيًّا لتكدس الناس في المساجد، مشيرًا إلى أن الراحة التي يجلبها المسجد، والحالة الروحية التي يصنعها الأئمة من خلال القنوت في الصلوات والتذكير بقدرة الله وقوته مثلت حافزًا كبيرًا للناس ليتواجدوا في صلاة الجماعة في المسجد بشكل دائم.
ويلفت الشيخ أبو دلال إلى أن هذا المظهر من المظاهر التي تدلل على اقتراب نصر الله عز وجل "فحين تتغير النفوس يغير الله الحال، والناس تتجه لله عز وجل فلن يخذلها الله".