حسن مكي
القاهرة – الأناضول
رغم مقاطعة قوى المعارضة الرئيسية - جبهة الإنقاذ الوطني – لدعوة الرئيس المصري محمد مرسي للحوار من أجل إنهاء أخطر أزمة سياسية شهدتها مصر منذ ثورة يناير 2011، إلا أن مرسي استجاب عمليًا لمطالب هذه القوى بشكل شبه كامل قد ينزع مبررًا قويًا عنها لتصعيد احتجاجاتها التي بلغت حد التهديد بالدعوة للإضراب العام، قبل ساعات قليلة من إصداره إعلانًا دستوريًا جديدًا.
ففي ختام اجتماع استمر أكثر من سبع ساعات أمس في قصر "الاتحادية" الرئاسي، بمشاركة عدد من القوى السياسية والشخصيات العامة والفقهاء القانونيين، أصدر الرئيس المصري، بناء على توصية هذا الاجتماع، إعلانًا دستوريًا جديدًا ألغى فيه الإعلان السابق الذي أثار احتجاجات واسعة للمعارضة باعتباره يجعل من الرئيس "ديكتاتورًا" حيث يحصن قراراته وكلاً من الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى (غرفة البرلمان الثانية) من أي حكم قضائي محتمل بحلهما.
وإذا كان الإعلان الجديد نص على أنه "يبقى صحيحًا ما ترتب على هذا الإعلان (الصادر الشهر الماضي وتم إلغاؤه أمس) من آثار"، فإن ذلك عمليًا يترتب عليه نتيجة واحدة فقط، وهي بقاء النائب العام الجديد، طلعت عبد الله، في منصبه، بدلاً من النائب العام، عبد المجيد محمود، المعين من قبل الرئيس السابق حسني مبارك.
وكانت إقالة عبد المجيد محمود، تعد مطلبًا شعبيًا للعديد من القوى المعارضة والثورية التي اعترضت بشدة على صدور أكثر من 20 حكمًا في عهده ببراءة متهمين بقتل متظاهري ثورة يناير.
وحين صدر حكم ببراءة المتهمين في أشهر تلك القضايا، المعروفة باسم "موقعة الجمل" في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، ثارت جميع قوى المعارضة ضد هذا الحكم ونظمت المظاهرات المطالبة بإقالة النائب العام، وإن ألقى الأخير بالمسؤولية على وزارة الداخلية بدعوى عدم تقديمها للنيابة الأدلة الكافية لإدانة المتهمين.
ولم تطالب بشكل رئيس قوى المعارضة، وتحديدًا جبهة الإنقاذ، بإعادة النائب العام السابق لمنصبه في احتجاجاتها الأخيرة، وإنما انصبت احتجاجاتها على الإعلان الدستوري الذي تم إلغاؤه أمس.
وفي المقابل، ترتب على إلغاء الإعلان الدستوري الصادر في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي إلغاء تحصين قرارات الرئيس من الطعن عليها أمام القضاء وكذلك إلغاء تحصين مؤسسات مثل مجلس الشورى (غرفة البرلمان الثانية) من أي حكم قضائي محتمل بحله.
أما مطلب المعارضة الثاني الرئيس المتمثل في إلغاء مشروع الدستور الجديد والدعوة للاستفتاء الشعبي عليه السبت المقبل بدعوى أنه لا يعبر عن توافق شعبي وصاغته أغلبية من التيار الإسلامي المؤيدة للرئيس، فقد أجمع قانونيون كبار، وفي مقدمتهم الفقيهان أحمد كمال أبو المجد وسليم العوا، على استحالة تنفيذ ذلك لأنه صدرت بالفعل الدعوة للاستفتاء وأصبحت بالفعل تلك الدعوة "إلزامية" بموجب الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2011.
وعمليًا، استجاب مرسي لمطلب المعارضة الثاني بصياغة دستور يعبر عن توافق شعبي حين أعلن العوا في مؤتمر صحفي ليلة أمس تعهد الرئيس بذلك من خلال دعوته إلى القوى السياسية التي لم تشارك في الحوار إلى "تقديم مقترحاتها بشأن تعديل بعض المواد (الخلافية) بمشروع الدستور مع التعهد بعرضها على مجلس النواب في أول جلسة له بعد انتخابه للنظر في تلك المقترحات"، باعتبار أن الدستور الجديد يعطي لخُمس أعضاء البرلمان المقبل الحق في طلب تعديل الدستور على أن توافق أغلبية أعضائه على هذا الطلب ليصبح نافذًا.
وإذا كانت ردود الفعل "الأولية" من جانب عدد محدود من قيادات جبهة الإنقاذ التي تضم رموزًا سياسية بارزة – محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى – قد عبرت عن رفضها للإعلان الدستوري الجديد واعتبرته "مراوغة" من الرئيس وطالبت باستمرار الاحتجاجات على مشروع الدستور الجديد، فإنه لا شك فيه أن هناك واقعًا جديدًا قد تشكل ليلة أمس عَكَسَ استجابة الرئيس المصري بشكل كبير لمطالب المعارضة وجزء من الشعب المصري، ما قد يحد كثيرًا من الاحتجاجات الشعبية على الرئيس.
وعكست تصريحات الفقهاء القانونيين أمس أن هذا أقصى ما يمكن أن يقدمه الرئيس من تنازلات لتلبية مطالب المعارضة، كما نالت قرارات مرسي موافقة عدد من قوى المعارضة التي شاركت بالحوار، وهو ما يعني عمليًا أن رغبة كثير من المصريين في الاستقرار وفي إنهاء أخطر أزمة تواجهها منذ نحو عامين أصبحت مسؤولية "جبهة الإنقاذ" تحديدًا وليست مسؤولية الرئيس هذه المرة..
ولعل المعارضة - التي بكل المقاييس حققت نصرًا سياسيًا حين دفعت الرئيس لإلغاء الإعلان الدستوري - توجه الآن معركتها إلى الاستفتاء على الدستور الجديد، الذي سيكتسب شرعية شعبية في حال الموافقة عليه، تنزع عمليًا أي مبررات لرفضه، أما في حال رفضه، فقد تعهد مرسي بانتخاب الجمعية التأسيسية - هذه المرة – "انتخابًا حرًا مباشرًا"، بدلاً من انتخابها عن طريق البرلمان الذي كان يسيطر عليه الإسلاميون، وهو ما يشكل رسالة طمأنة أخرى لمعارضيه.