بولا أسطيح
بيروت – الأناضول
تقترب عينها من وجوههم في صمت.. فيشيحون بها سريعًا.. تحاول اختلاس لقطة تعكس معاناة عامين من الألم والقصف واللجوء.. إلا أن فلاشها (إضاءتها) يشي بها.. فينفضون من حول محدثيهم من الصحفيين والإعلاميين.
فحتى الساعة، لم تفلح الكاميرا في كسب ثقة هؤلاء اللاجئين السوريين الذين يخفون بأيديهم ما يتيسر من ملامحهم خلال حديثهم للإعلام.
وإجمالا، يوجد في لبنان 377 ألف لاجئ سوري، تقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن نصفهم من الأطفال.
وبالنسبة لمعظم هؤلاء اللاجئين فإن المشاهد هو "تابع" لرئيس النظام السوري بشار الأسد، و"سيشي بهم، ويضع أسماءهم وصورهم على الحدود السورية؛ ليتم إلقاء القبض عليهم فور عودتهم إلى أراضيهم، وربما تبدأ ملاحقتهم في لبنان لإعادتهم قسرًا إلى سوريا".
وتبدو هواجس اللاجئين السوريين، ولا سيما الرجال منهم، مفهومة؛ نظرًا للعدد الهائل من المعتقلين في سجون النظام السوري منذ اندلاع الثورة قبل عامين (يقدر بعشرات الآلاف وفقا للمعارضة)، لكن ما يطرح أكثر من علامة استفهام هو امتداد "فوبيا الكاميرا" من كبار السن إلى الأطفال اللاجئين.
ففي أحد تجمعات اللاجئين السوريين في منطقة صيدا جنوبي لبنان، يهرب عشرات الأطفال والنساء إلى داخل الخيم، فور تأكدهم من أن زائرة المخيم ما هي إلا صحفية (مراسلة الأناضول) تحمل كاميرا، وترغب في تسجيل أحاديث معهم.
وهو ما يفسره اللاجئ السوري أبو فؤاد (52 عامًا) بقوله لمراسلة الأناضول: "لم يعد أحد منهم يرغب في أن يصوره صحفي؛ فالصحافة لم تقدّم لنا شيئًا، وعلى العكس تماما، فقد فضحت هوياتنا ووجوهنا للنظام السوري، وبات يتعذر علينا العودة إلى منازلنا".
وبعفوية تامة، ترفع مها (7 سنوات) جزءًا من قميصها لتخفي به ملامح وجهها، فور تيقنها من أن الكاميرا تلتقط صورًا لها.
بينما يركض عدد كبير من الأطفال ليختبئوا خلف أمهاتهم، اللواتي بدورهن يضعن رؤوسهن في الأرض، رافضين الحديث إلى الإعلاميين.
وعن سبب انتقال "فوبيا" الكاميرا من اللاجئين الكبار إلى صغارهم، تقول الإخصائية النفسية اللبنانية، بسكال مراد، إن "الأطفال يسعون عادة إلى تقليد آبائهم وأمهاتهم، الذين يخفون وجوههم من الكاميرات؛ خوفًا من كشف هوياتهم".
وتضيف مراد، في حديث لمراسلة الأناضول، أن "معظم هؤلاء الأطفال لا يدركون سبب قيامهم بذلك، ولكن الإشارات السلبية التي يلتقطونها من أهلهم، ومن ضمنها الخوف والتوجس، تؤثر مباشرة عليهم، وربما يكون لها ارتدادات سلبية على تكوين شخصياتهم".
وتنصح الإخصائية النفسية بـ"معالجة هؤلاء الأطفال سريعًا من خلال الرسم واللعب والأغاني، بحيث ندعهم يصرخون ويخرجون ما بداخلهم من خلال هذه الأنشطة، وإلا بقيت كل هذه العقد النفسية بداخلهم، وانعكست في المستقبل حقدًا وثأرًا قد يصوبونه على عائلاتهم إذا لم يجدوا من يصوبونه تجاهه".