بولا أسطيح
البقاع-بيروت-الأناضول
لم يتصور يوما اللاجئون الفلسطينيون في مخيم عين الحلوة، جنوب لبنان، والذين يقارب عددهم الـ80 ألفا يعيشون في كيلومتر مربع واحد، أن يستضيفوا يوما ما مئات من أقرانهم اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا، في غرفهم الفقيرة، بل وأن ينصب هؤلاء خيما في البقعة الجغرافية نفسها التي نصب فيها أشقائهم من اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 خيمهم بعد النكبة.
في تلك البقعة الواقعة في حي السكة، غربي المخيم، نصبت اكثر من 35 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا مؤخرا 22 خيمة متاخمة لمجمع الشيخ زايد بن سلطان الذي يأوي بالفعل 26 عائلة سورية يقدرون بـ130 شخصا يعيشون في 11 غرفة صغيرة.
الموقع الذي بات خاصا باللاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا والذي تتجه اليه مباشرة العائلات الوافدة من سوريا حديثا الى لبنان يفتقر لأبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء، ويحوي حماما واحدا يستخدمه كل أفراد العائلات الـ35 والذين يقدر عددهم بنحو 150 شخصا.
"هو ذل ما بعده ذل نعيشه في لبنان لم نشهده في حياتنا...لقد كنا في سوريا شعبا مدللا نعيش أفضل حياة وها نحن اليوم وبعد اضطرارنا للجوء الى لبنان نعيش أبشع الظروف"، هكذا تختصر أم صالح (45 عاما) ما تعيشه في "عين الحلوة" الذي وصلته قبل 6 أشهر قادمة وعائلتها من مخيم اليرموك في سوريا، وتضيف:"نحن شعب كُتبت على جبيننا المأساة منذ أن ولدنا وها نحن نتنقل من هجرة الى أخرى ومن مأساة الى أخرى أكبر."
أم صالح التي علّقت فوق خيمتها لافتة كُتب عليها: "كفانا ذلا وهوانا"، تنصرف وبشكل يومي لتأمين المياه لعائلتها من أحد الآبار داخل المخيم، فيتم نقل البراميل الممتلئة حملا ومشيا على الاقدام ومن مسافات بعيدة بغياب تام للبنى التحتية.
وتضيف أم صالح لمراسلة وكالة الأناضول"أي مجتمع يقبل اليوم أن يعيش كما نعيش نحن هنا..أي عقل يمكن أن يستوعب أن يستخدم 150 شخصا حماما واحد ما يؤدي لتفشي الكثير من الأمراض فيما بيننا؟".
مأساة أم صالح تشبه الى حد بعيد ما تعيشه منيرة موسى (38 عاما) وهي أم لـ4 أطفال تجمعوا حولها في باحة الخيمة التي يسكنون وهم يرتدون ألبسة شتوية وسط درجات حرارة مرتفعة.
"منيرة" التي نهشت الحسرة ملامح وجهها توجهت لمراسلة الأناضول فأمطرتها بأسئلة لا تعرف إجابة لها: "ماذا أقول وابني مريض وأنا غير قادرة على معالجته؟...لمن أتوجه وأطفالي لا يزالون يرتدون البسة شتوية تلهب أجسادهم الطرية؟".
وتسرد منيرة كيف اضطرت للهرب من مخيم "سبينة" للاجئين الفلسطينيين، الواقع جنوبي دمشق، بالثياب التي كانوا يرتدونها فقط.
وتضيف "مع اشتداد القصف لم ننظر خلفنا تركنا كل أغراضنا وممتلكاتنا وهربت بأطفالي الى لبنان وها نحن هنا لا نملك شيئا ولا أحد ينظر لاحتياجاتنا".
وبين خيم اللاجئين السوريين، يتنقل أبو صالح المقدح، من جمعية بدر الفلسطينية (تُعنى بالشأن الاجتماعي داخل مخيم عين الحلوة) المسؤول عن تجمع السوريين مستمعا للشكاوى المتواصلة لكنه غير قادر على تأمين ولو 1% من الاحتياجات المتفاقمة.
ويقول:"المشاهد التي نراها اليوم في عين الحلوة تذكرنا بأيام النكبة في العام 1948 حين وصلنا الى جنوب لبنان واضطررنا لنصب الخيم في هذه البقعة بالذات...السوريون يعيشون اليوم النكبة عينها التي عشناها قبل 65 عاما."
ولعل دموع رجل خمسيني أقصى ما يمكن أن تلمحه وسط مآسي سكان هذا المخيم، فخالد موسى (58 عاما) والذي يشغل نفسه في ساعات النهار بأعمال النجارة، يتكىء على أحد الأعمدة فتخونه دموعه فجأة أمام الكاميرا حين يتذكر منزله في مخيم سبينة في سوريا، فيقول: "وصلنا منذ 3 اشهر الى لبنان ونحن نعيش في ابشع ظروف الحياة...نحن لسنا معتادين على عيشة مماثلة فقد كنا نعيش باحترام وبكرامة في سوريا أما هنا فنعيش بذل ولا احد يأبه بنا."
والدة خالد العجوز والتي لا تعرف كم عمرها، تقول لمراسلة وكالة الأناضول:"ما أعرفه أن اسمي أم خالد وأن عمري أكثر من 100عام، وأنني أعايش اليوم هجرة جديدة بعدما تهجرنا من أرضنا من فلسطين الى مكان آخر لا أذكره قبل وصولنا الى سوريا ومنها اليوم الى لبنان...حياتنا نحن الفلسطينيين عبارة عن همّ وغم فلم نعرف يوما الاستقرار والهناء وكأن المعاناة قدرنا."