تصوير: رمزي حيدر
آية الزعيم
بيروت - الأناضول
من منطقة عين المريسة إلى برج المنارة، الذي يبلغ طوله أكثر من 5 كلم، يمتد كورنيش المنارة البحري في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، مشكلاً ملتقى نادرًا لكل اللبنانيين باختلاف طوائفهم، يتخذون من هذه المساحة المفتوحة واحة يستريحون فيها من هموم الحياة اليومية.
ويرد المؤرخ اللبناني حسان الحلاق تاريخ الكورنيش للقرن التاسع عشر، لافتًا الى أنّه "ونظرًا للحركة التجارية البارزة في بيروت آنذاك وقدوم السفن في البحر المتوسط من الدولة العثمانية والدول الأوروبية، اتخذ والي بيروت حينها قرارًا بإقامة منارة مرتفعة في تلك المنطقة ساهمت إسهامًا بارزًا في هداية السفن ليلاً".
هذه المنارة قامت بدور بارز منذ العام 1820 حتى عام 1976 الذي توقفت فيه عن العمل تمامًا لأسباب أمنية، وبعدها تم إنشاء منارة جديدة محاذية للشاطئ، ولهذا سميت هذه المنطقة الممتدة من أول الكورنيش حتى نهايته "بالمنارة".
اليوم تختلف أهداف قاصدي الكورنيش، فمنهم من يمارس هواياته الرياضية على أشكالها وأنواعها مثل ركوب الدراجات الهوائية، الركض، كرة المضرب، وغيرها.
وحتى لرقصة الدبكة اللبنانية (رقصة فلكلورية) مكان؛ إذ يتجمع عدد من الشبان بشكل دوري ليحولوا الكورنيش لساحة يقدمون فيها رقصات مختلفة؛ ما يجعلهم نقطة توقف لكل مار بجانبهم.
هذا بخلاف الكراسي البلاستيكية المنتشرة وشرب الأراكيل (الشيشة) التي تختفي في لحظات إذا داهمت القوى الأمنية المكان باعتبار أنّها ممنوعة على الكورنيش.
وبين كل ذلك، يبقى هناك مكان خاص للعشاق الذين يتهامسون وهم يراقبون الأمواج دون حسيب أو رقيب.
هذا الكورنيش لا ينام ولا يهدأ، بل يحافظ على حركة دائمة منذ طلوع الفجر وحتى ساعات متأخرة من الليل، وكل زائر يحمل معه قصة مختلفة يرويها من خلال نظراته للمكان، فكثير من الأشخاص يأتون ليلا لإزالة أعباء الحياة اليومية وإرهاق العمل.
وتعتبر منطقة المنارة واحدة من أرقى وأفخم المناطق في لبنان، فبين المباني الفخمة والفنادق العالمية ترى المقاهي الشعبية والحديثة منتشرة في المكان، فهذا الكورنيش يعتبر ملتقى لجميع فئات المجتمع دون تمييز بين الفقراء والأغنياء ولجميع الأعمار من صغار وكبار، فالكورنيش يتسع للجميع.
ويبقى باعة القهوة والكعك والذرة المتجولون معلمًا من معالم الكورنيش البحري، يتواجدون هناك في كل الأوقات، يبحثون عن مشترٍ عبر ترديدهم لنغماتهم الشهيرة التي باتت معروفة لدى أكثر اللبنانيين، وهي "قهوة قهوة"، و"كعك ككعك" بلحنٍ معروف.
وفي بلد مثل لبنان، لا تغيب السياسة حتى عن هذا المكان، ويلاحظ ذلك بسهولة في المحادثات الجانبية لزوار الكورنيش والأغاني ذات المغزى السياسي التي تصدح من سيارات المتنزهين بأصوات عالية دون معارضة أحد.. فالحرية المتوفرة في هذا المكان على الرغم من اختلاف طوائف مرتاديه يصعب التماسها في مكان آخر.
وترسم صنارات الصيادين المتشابكة على طول الكورنيش لوحة رائعة تلفت عين الزائر، ولكل منهم زاويته الخاصة اختارها بدقة متناهية وزينها بعدّته المستحدثة. هؤلاء لا يستهويهم مشاهدة المارة وازدحام الكورنيش، فهم قرروا أن يديروا ظهرهم للحياة وأعبائها الثقيلة للالتفات إلى همّهم الأوحد بصيد السمك.
