كوثر الخولي
القاهرة- الأناضول
من خلال التعرّف على الوسائل المختلفة التي تسهم في تحويل المشايخ المغمورين إلى أولياء، يرصد الكاتب المصري عبد الحكيم خليل سيد عالم ما يسمى بـ "أولياء الله الصالحين" في المعتقد الشعبي المصري.
وفي كتابه "مظاهر الاعتقاد في الأولياء - دراسة للمعتقدات الشعبية في مصر"، يُعرّف الكاتب شخصية "الأولياء" في المعتقد الشعبي بأنهم "تلك الفئة من الشخصيات الدينية التي تحظى بتكريم خاص من جانب الناس، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، ولكنها لا تنتمي لفئة الأنبياء".
ويوضح أن "الأولياء في أذهان العامة، هم الواسطة بين الإنسان وخالقه، ويضفون عليهم بعض الصفات المعجزة الخارقة للطبيعة. ويشغل الاعتقاد في الأولياء مساحة كبيرة لدى الجماعات الشعبية، حيث يجسدون أحلام وآلام واحتياجات هذه الجماعات في مختلف العصور".
والكتاب، الذي يقع في 560 صفحة متوسطة القطع، أصدرته مؤخرا "الهيئة العامة للكتاب" في مصر، ضمن السلسلة الجديدة "الثقافة الشعبية"، وهي الهيئة التابعة لوزارة الثقافة المصرية.
وينقسم الكتاب إلى7 فصول، يتناول أولها الملامح العامة للجماعات الشعبية صاحبة تلك المعتقدات، ويعرض ثانيها أبرز أولياء تلك المجتمعات، أما الفصل الثالث فيرصد "مظاهر إنتاج وتدشين الأولياء في الطرق الصوفية وعلماء الدين المحدثين"، ويرصد أيضا "الأولياء مجهولي السيرة".
ويتناول الفصل الرابع ما يسمى بـ"كرامات الأولياء"، ويركز السادس على "الشعائر ودورها في صناعة الأولياء"، وأخيرًا يتناول الفصل السابع "أضرحة الأولياء" ويصنف الأضرحة والممارسات الاعتقادية التي تتم داخلها ودور النساء في "ترويج" الاعتقاد لأصحاب الأضرحة.
وبحسب الكاتب فإن "ظاهرة الاعتقاد في قداسة بعض الأفراد، منتشرة عالميًا في الديانات المختلفة، فالعديد من الشخصيات الدينية عرفت بكونها مقدسة ولها قدرات روحية مثل: الرائي، والمُنجم، والكاهن، والقس، والولي".
ويقول إن عوام "الناس تتواصل مع الولي من خلال زيارة الأضرحة، وملامستها، لاستجلاب كراماته، واستدعائه كرؤية في المنام، حيث تمكنهم هذه المظاهر من الانتصار على موت الولي".
ويوضح الكاتب أن الولي عند الصوفية، "يُسلب من جميع الصفات البشرية، ويتحلى بالأخلاق الإلهية ظاهرًا وباطنًا، فالله قد خصهم، بحسب الصوفية، بقدرات خاصة متميزة، تجعلهم قادرين على أفعال إعجازية تعرف بالكرامات".
ويشير إلى أن "التصوف ظهر في مصر في القرن السابع الميلادي، الموافق الأول للهجرة، عندما ترتب على حركة الفتح العربي تحول مصر وأهلها إلى الإسلام، ما تبعه اتجاه بعض المصريين نحو حياة الزهد والتصوف منذ وقت مبكر، ومن أعلام هؤلاء (ذو النون المصري) وهو من أهل مدينة أخميم في الصعيد (جنوبي مصر)".
ووفقا للمؤرخين، "ازدادت ظاهرة التصوف شيوعًا في مصر مع الدولة الفاطمية؛ وهو ما يثبته وجود بعض اصطلاحات استعملها الصوفية في عصر سلاطين المماليك، فرغم أن المصريين عرفوا التصوف قبل عصر المماليك فإنه اشتد في عصرهم".
ووفد على مصر، لا سيما من المغرب، كثير من مشايخ الصوفية، مثل "أبى الحسن الشاذلي"، و"أبى العباسي المرسى"، و"أبى القاسم القباري"، و"السيد أحمد البدوي"، الذي عرف أيضاً باسم "السطوحى"؛ لأنه فضل الإقامة في مصر على سطح أحد المنازل.
ومن النادر أن تجد دولة إسلامية لا تنتشر فيها الأضرحة والمقامات، التي تضم رفات من يعتبرهم الناس "أولياء"، ويخصصون أيامًا للاحتفال بهم سنويا، بحسب الكتاب.
ومن المدهش أن نجد أعدادًا كبيرة من الأولياء ينتمون إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مثل الشيخ زاهر، في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية (شرق دلتا النيل)، والذي شاع بين الناس أنه وعائلته، بحسب السيرة الشعبية، "لديهم القدرة على وقف وباء الكوليرا" الذي انتشر في مصر أوائل القرن الماضي.
أما القديسون القدامى، في المسيحية، فالكثير منهم "شهداء فترة الاضطهاد الروماني للكنيسة القبطية، فيما عرف باسم عصر الشهداء".
وفى مدينة إسنا بصعيد مصر، يوجد ضريح "الفلاحون الثلاثة" (سوروس، أنطوكيون، مشهوري)، الذين يعتبرهم المعتقد الشعبي "شهداء عانوا من الاضطهاد الروماني عام 30 قبل الميلاد"، لهذا يقدسهم العامة، وتقام عندهم الموالد القبطية.
ومن المدهش أننا نجد نساءً مسيحيات في مصر يقصدن أضرحة إسلامية طلبًا للإنجاب، كما يرتاد مسلمون أضرحة مسيحية، اعتقادًا في "أساطير" بعضهم البعض.
يذكر أن غالبية علماء أهل السنة والجماعة يرون بوجه عام أن التوسل بالأولياء غير جائز شرعًا.