سارة آيت خرصة
الرباط – الأناضول
لسنوات لم يصمت صخب الصيادين وأصحاب قوارب العبور على ضفتي نهر "أبي رقراق" المغربي.. حتى بعد مغيب الشمس.
تواصل المراكب الخشبية رحلاتها ذهابا وإيابا، تنقل حركة المجاديف السريعة الركاب بين "الرباط وسلا" بالمغرب.. مدينتين يفصلهما مجرى النهر ويجمعهما التاريخ والجوار، ويوميات ناس لا تستقيم حياة بعضهم دون الترحال بين العدوتين.
" كانت ضفاف النهر تغص بالركاب عند المغيب، بأولئك الذين يعملون في مدينة الرباط ويقطنون في مدينة سلا، والمركب هو الصلة الوحيدة بين الضفتين" يقول إدريس ( 76 سنة) وهو يربط حبال قاربه راسيا على ضفة "أبي رقراق"، يشد وثاق الحبل دون أن يغادر مركبه الذي يعد مصدر رزقه منذ ما يزيد عن خمسين عاما، على حد قوله.
يتهادى على مويجات النهر في حركات مائلة ما يزيد عن عشرين قاربا ، تنتظر قدوم عابر إلى الضفة الأخرى.. "في السابق لم أكن أطيل الانتظار ليمتلئ القارب بالمسافرين المتعجلين إلى سلا، كان النهر أكثر عطاءا، اليوم أضحى قاربي يكتفي ببعض الجولات السياحية، أنقل بعض الراغبين في نزهة قصيرة عبر النهر دون الوصول إلى حدود سلا" يضيف إدريس.
"فالناس قد استعاضوا عن النهر بالبر، خلال تنقلهم بين الرباط وسلا، بعد توسيع القنطرة الرابطة بين المدينتين ووصلهما بخط ترام سريع"، يستطرد قائد المركب العجوز متنهداً حسرة على أيام خلت.
العلاقة بين مدينة الرباط وجارتها الشمالية سلا، تعود لقرون، فتاريخ المدينتين لا ينفصم منذ جعل منهما الموحدون (حكموا المغرب ما بين 1121م- 1269م) ثغرا لصد هجمات الإسبان، لتصبح فيما بعد قصبة عامرة بالسكان شيدت بها أبرز معالم المغرب الأثرية من مساجد وأبواب تاريخية، مرورا باستقبالهما للمهاجرين من أبناء الأندلس المورسكيين، الذين وحدوا العدوتين في القرن الخامس عشر في دويلة أطلقوا عليها اسم "دويلة أبي رقراق" اشتهرت باعتماد نشاطها التجاري على غنائم "القرصنة" حسب الرواية التاريخية.
المدينتان تشكلان حالة فريدة في العلاقة بين المدن الجارة بالمغرب، فهما الوحدتان اللتان يشطرهما مجرى نهر إلى قسمين، فتشكل إحداهما العدوة الشمالية (سلا) وأخرى ضفة النهر الجنوبية (الرباط)، أما نهر أبي رقراق الذي يصب مجراه في المحيط الأطلسي قادما من الهضاب الوسطى للمغرب -وقد تفرعت عنه في الطريق إلى الرباط وسلا أنهار أخرى كنهر عركاش ونهر غرو-فمجراه يكون قد قطع 240 كيلومترا عند بلوغه المصب .
أما "الفلايكي " (صاحب قارب في اللهجة المغربية) إدريس فتضرب مجاديف قاربه سطح النهر بإيقاع سريع ، يضطرب النهر بفعل الضربة لدقائق ثم يستعيد هدوئه، دون أن يهدأ بال إدريس وهاجس الخوف من عدم تحصيل مبلغ يكفيه لسداد قوت يوم أسرته حاضر بقوة "ثمن الرحلة لا يتجاوز درهمين ( 0,2 دولار) ومدتها لا تتعدى 8 دقائق، لكن عدد الركاب يتناقص يوماً بعد يوم، ويبلغ ما نحصله يومياً أقل من 40 درهما ( 4,6 دولارات)" يقول إدريس.
فالذين يقطعون النهر للوصول إلى الضفة الأخرى كانوا فيما مضى طلابا وحرفيين، من أبناء الطبقة الوسطى والكادحين، عمالا وموظفين بسطاء، دفعهم غلاء المعيشة في العاصمة الرباط إلى اختيار الاستقرار في مدينة السلا حيث تنخفض تكلفة استئجار المنازل وتتوافر أجواء عيش أكثر شعبية من أحياء الرباط الراقية.
حركة المراكب التي ترسم خط الوصل بين الرباط وسلا ، تتجاوز كونها وسيلة نقل استعاض عنها الناس بعد توسيع القنطرة وانطلاق خط الترام بين عدوتي أبي رقراق ولاذوا بالبر عن النهر، هي ذاكرة مشتركة بين المدينتين، مازال بعض الأوفياء من أبناءهما خاصة القاطنين بمحاذاة ضفتي النهر، يعدونها وسيلة نقل أساسية للعبور من "سلا إلى الرباط" ومن "الرباط إلى سلا".
رغم نبرة مشوبة بمخاوف عن مستقبل مهنتهم ، يتفاءل بعض أصحاب القوارب بمستقبل أفضل بعد انتهاء أشغال تهيئة ضفتي أبي رقراق، المشروع يطمح إلى جعل جنبات النهر مساحات سياحية للترفيه والمتعة، ويشمل كذلك مخطط لإعادة ترميم الأثار التي تطل على ضفاف النهر حتى تصير المنطقة قبلة سياحية، تستفيد منها الرباط وسلا، ويأمل "الفلايكية" في أن يستعيدوا مع انتهاء الأشغال أيام الرواج الزاهية التي تعثرت بسبب أشغال توسعة مجرى النهر، على حد قولهم.