خالد زغاري – قيس أبو سمرة
رام الله - الأناضول
شدد رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض على أن حل الدولتين لن يتحقق بعصا سحرية تتم من خلال عملية سياسية ترعاها وساطة دولية، معتبرًا أن الامتحان الحقيقي لمدى الجدية في تنفيذ هذا الحل لن يكون إلا عبر اتخاذ إجراءات دولية حاسمة إزاء الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
ورأى أن مقومات حل الدولتين ضعفت بدرجة كبيرة جراء ما يعانيه المواطن في فلسطين من الاستيطان، وبسبب الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية الأخرى، وحجز أموال السلطة، والخنق الاقتصادي بكافة أشكاله، والحصار الذي لا يزال مفروضًا على قطاع غزة.
وقال: "طالما يوجد إهمال وتواني في معالجة ومواجهة انتهاكات إسرائيل، أعتقد أنه ليس فقط مستقبل حل الدولتين مهدد بشكل جدي (...) بل إن الأمن الإقليمي ككل مهدد".
من جهة أخرى، حذّر فياض من أن السلطة الوطنية الفلسطينية لا يمكن لها أن تستمر في عملها إذا لم يتم الإفراج عن أموالها المحتجزة لدى إسرائيل، ولم يتم تعويض هذه الأموال بشكل فوري.
وقال: "نحن الآن في مرحلة أصبحنا فيها عاجزين فيها بالكامل عن الوفاء بالتزاماتنا كما هو واضح، وهذا يترتب عليه خلل واضح وفادح في أداء السلطة الوطنية الفلسطينية".
وأوضح: "أتحدث عن الأداء وليس عن انهيار السلطة ككيان، السلطة لها مهام وظيفية؛ الأساس فيها تقديم الخدمات للمواطنين في مختلف المجالات التعليمية والصحية وغير ذلك، وقدرة السلطة على الوفاء بهذه المهام أصبحت الآن في حالة شلل".
وإلى نص الحوار:
* كيف ستواجه السلطة الأزمة المالية الخانقة وعدم القدرة على دفع رواتب موظفيها؟
** ليس هناك بديل سوى استئناف تحويل الأموال التي تعود للسلطة الوطنية الفلسطينية والمحتجزة من قبل حكومة إسرائيل، والالتزام بالتحويل المنتظم دون انقطاع لأي سبب كان؛ لأن الاتفاقية - التي تحكم العمل في هذا المجال - غير مشروطة، وتتصل بتحويل أموال تعود إلى نشاط تجاري بين الجانبين، لكوننا لا نتحكم في المعابر ونحن تحت احتلال.
ومن جهة أخرى طالما استمر الحجز (على أموال السلطة)، فليس هناك حل إلا بورود تمويل تعويضي عن هذا المال المحجوز من قبل حكومة إسرائيل.
وكما هو معلوم فإن القمة العربية الأخيرة، التي تم عقدها في بغداد، اتخذت قرارا بإنشاء شبكة أمان مالي للسلطة الوطنية الفلسطينية، يتم تفعيلها حال قيام حكومة إسرائيل باحتجاز أموال السلطة، وتم التأكيد على هذا القرار ثلاث مرات في اجتماعات لجنة المتابعة العربية التي كان آخرها في الدوحة قبل فترة وجيزة.
ما هو مطلوب (الآن) هو تفعيل شبكة الأمان، علما بأن ما تغطيه هذه الشبكة أقل من المعدل الشهري للمال المحجوز (من قبل إسرائيل)، لكن أن يحول هذا المبلغ خير من ألا يحول شيء، فنحن بحاجة ماسة له.
لا يمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تستمر في عملها إذا لم يتم الإفراج عن أموال السلطة ولم يتم التعويض عنها بشكل فوري.
منذ سنوات عديدة لم تدخل السلطة الوطنية الفلسطينية في شهر جديد دون أن تكون قد أوفت باستحقاقات رواتب موظفي السلطة في الشهر الذي سبقه، لكن الآن دخلنا في الشهر الجديد، ورواتب ديسمبر/ كانون أول مستحقة لم ندفع منها شيء، ونصف راتب نوفمبر/ تشرين الثاني مستحق لم ندفعه.
* إلى متى يمكن للحكومة الفلسطينية أن تتحمل هذا الوضع؟
** ليس الكثير؛ فنحن نعاني نقصًا حادًا في احتياجات القطاعات كافة، وبينها القطاع الصحي على سبيل المثال.
عندما ينقطع العاملون عن العمل لعدم تمكنهم من الالتحاق بأماكن عملهم جراء عدم تلقيهم الرواتب والعلاوات المخصصة لنفقات التنقل، فهذا يترتب عليه ضعف في الأداء وتراجع في مستوى بعض الخدمات وانقطاع في بعضها الآخر.
عندما تصل الحكومة إلى وضع لا تستطيع فيه أن تدفع لقاء ما تتلقاه من سلع وخدمات تبدأ حالة من الضعف والوهن وتصل الأمور إلى مرحلة الشلل التام.
نحن الآن في مرحلة أصبحنا فيها عاجزين عن الوفاء بالتزاماتنا كما هو واضح؛ وهذا يترتب عليه خلل واضح وفادح في أداء السلطة الوطنية الفلسطينية.
* هل نحن نتحدث عن انهيار للسلطة الوطنية الفلسطينية؟
** أتحدث عن الأداء، وليس عن انهيار السلطة ككيان؛ فالسلطة لها مهام وظيفية؛ الأساس فيها تقديم الخدمات للمواطنين في مختلف المجالات التعليمية والصحية وغير ذلك، وقدرة السلطة على الوفاء بهذه المهام أصبحت الآن في حالة شلل.
هذا لا يعني أن السلطة قد انهارت أو أنها ستنهار، لا أتحدث بهذه المفاهيم، لكن لا أقلل إطلاقا من التأثير التدميري لعدم القدرة على الوفاء بالالتزامات أمام المواطنين على إمكانية السلطة على البقاء.
* كم عدد موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية وكم إجمالي الرواتب الشهرية ونسبة الأجهزة الأمنية فيها؟
عندنا ما يزيد على مائة وستين ألف موظف مدني وأمني أيضا؛ فثلث الرواتب تتصل بخدمة هؤلاء سواء كانوا مدنيين أو كانوا عسكريين، ومعظم ما ينفق في الأمن في الواقع رواتب ليس إلا.
* هل حاولتم الاتصال بجهات غير عربية كتركيا مثلا في ظل تعطّل شبكة الأمان المالية العربية وعدم الوفاء بالتزاماتها مؤخرًا؟
** نحن على اتصال بالمجتمع الدولي بكافة مكوناته وكذلك المانحين، ولنا علاقة مميزة مع تركيا، وهناك دعم سياسي تركي بلا حدود للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وللسلطة الوطنية الفلسطينية.
وفيما يتصل بالدعم الاقتصادي، فإن تركيا تشارك في اجتماعات المانحين، حيث قدمت مساعدات للسلطة الوطنية الفلسطينية في إطار ما هو مبرمج من مساعدات.
لكن ما نتحدث عنه الآن هو نوع من المساعدات مخصص لتمويل الخزينة ولا تلتزم كل الدول به، وتركيا كان لها إسهام في هذا الموضوع، لكن بقدر يسير قياسا بالحجم الإجمالي من المساعدات.
أما معظم المساعدات التركية فهي مخصصة لدعم المشاريع ولا بأس في ذلك؛ فنحن لدينا نقص أيضا في هذا المجال.
* هل يمكن أن يحصل انفراج في مسألة حجز أموال السلطة الفلسطينية عقب الانتخابات الإسرائيلية القادمة؟
** لا يحق لحكومة إسرائيل اتخاذ إجراء من هذا القبيل تحت أي ظرف، سواء كان عهد انتخابات أم لا، نحن لا نتوقف عن مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته كامله إزاء هذا الإجراء، والاعتداء على لقمة عيش أبناء وبنات شعبنا.
* هل ترى من إمكانية فعلا لحل الدولتين على أرض الواقع؟
** من الواضح أن مقومات هذا الحل ضعفت بدرجة كبيرة؛ بما يعانيه المواطن في فلسطين جراء الاستيطان، وبسبب الإجراءات والاعتداءات الإسرائيلية الأخرى، ومن بينها: حجز أموال السلطة، والخنق الاقتصادي بكافة أشكاله، والحصار الذي لا يزال مفروضًا على قطاع غزة، وهناك أيضا ما يضعف الثقة في إمكانية قيام حل الدولتين.
إن القناعة بإمكانية الحل تضعف بكل تأكيد أمام هذا الانتهاك (الذي تمارسه إسرائيل) للقانون الدولي، وأمام هذه الممارسات التي لم تتوقف، والتي جانب مهم منها – بصرف النظر عن مئال العملية السياسية وما ستفضي إليه - يستهدف وبشكل ممنهج الوجود الفلسطيني على الأقل في بعض المناطق، وفي أجزاء هامة من المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وتحديدا في القدس الشرقية والمناطق المسماة – ج – والتي تبلغ مساحتها ستين بالمئة من إجمالي مساحة الضفة الغربية، وهي منطقة الأغوار برمتها، والتي لا يقطنها إلا حوالي خمسين ألف مواطن بما يشمل مدينة أريحا من أصل 3.4 مليون فلسطيني يقطنون الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على سياسات إسرائيلية تسعى بشكل ممنهج إلى استهداف الوجود الفلسطيني في هذه المناطق.
وبغض النظر عن مدى إمكانية تنفيذ حل الدولتين، هنالك اعتداء (إسرائيلي) صارخ يومي وبشكل ممنهج على الوجود الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهذا ما يجب أن يسترعي المزيد من الاهتمام؛ فحياة المواطنين مهدده باستمرار، ووجودهم مستهدف بشكل مستمر.
إن حل الدولتين لن يتحقق بعصا سحرية من خلال عملية سياسية تتم بوساطة دولية.
إن الامتحان الحقيقي لمدى الجدية في تنفيذ هذا الحل - وهذا امتحان ليس فقط على حكومة إسرائيل وإنما على المجتمع الدولي راعي هذه العملية السياسية والقوى المؤثرة منه خاصة الولايات المتحدة واللجنة الرباعية –هو البدء باتخاذ إجراءات حاسمة إزاء الانتهاكات الإسرائيلية، وازاء الاستهداف الواضح والممنهج من قبل السياسة الإسرائيلية للوجود الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة.
إذا تم التعامل مع هذا الأمر بجدية سيكون هناك مجال لتقييم ما تبقى من إمكانات قيام الدولتين، أما الاستمرار في التركيز وحتى على مجرد طرح السؤال: هل تعتقد أن حل الدولتين قائم؟، فلا يمكن التفكير بهذا الأسلوب، طالما أن متطلبات البقاء فلسطينيًّا منتهكة بشكل صارخ من قبل قوات الاحتلال.
إن الموضوع بحاجة إلى إعادة توجيه؛ حيث لا ينفع الحديث عن حل الدولتين (...) ومواطنونا في القدس وخارج القدس أيضاً وفي معظم المناطق المسمى – ج – بموجب اتفاق أوسلو يتعرضون للاضطهاد من: هدم للمنازل، وإخطارات بالهدم، ومصادرة الأراضي، وبناء الجدار على أراضي مصادرة والاستمرار في التوسع الاستيطاني على أراضي مصادرة.
هنا أنا أستقرأ الأمور، طالما يوجد إهمال وتواني في معالجة ومواجهة انتهاكات إسرائيل، أعتقد أنه ليس فقط مستقبل حل الدولتين مهدد بشكل جدي (...) بل إن الأمن الإقليمي ككل مهدد.
news_share_descriptionsubscription_contact
