إيمان عبد المنعم
القاهرة- الأناضول
كشفت النتائج المفاجئة للجولتين الأولى والثانية من الانتخابات الرئاسية في مصر عن تغيير عميق في الخريطة التقليدية للمعارضة المصرية بعد أن باتت السلطة برأسين "عسكرية ومدنية"، وبعد أن أفرزت النتائج وجود قوة شعبية ثالثة ترفض كليهما أو أحدهما.
فقد أظهرت الجولة الأولى أن 75% من الناخبين يعارضون حكم التيار الإسلامي، كما أن 75% أيضًا يعارضون الحكم العسكري، حيث لم يحصل المرشحان الفائزان بالمركزين الأول والثاني، محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين، وأحمد شفيق المحسوب على المؤسسة العسكرية، على أكثر من ربع الأصوات لكل منهما.
وكانت المفاجئة أن المرشحَين الآخرين المحسوبَين على التيار الثوري ( عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي) حصلا على نحو نصف الأصوات مجتمعين رغم عدم وقوف تنظيمات قوية أو تمويل كبير ورائهما.
وأسفرت الجولة الثانية عن ازدواجية في السلطة، فرغم فوز محمد مرسي فإنه يشاركه في الحكم المجلس العسكري وفق الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس قبل أيام معدودة من ظهور نتائج الانتخابات الشهر الماضي، وأعطى فيه لنفسه صلاحيات عديدة، على رأسها صلاحيات التشريع الخاصة بمجلس الشعب المنحل (الغرفة الأولى من البرلمان).
وللوقوف علي ملامح خريطة المعارضة المصرية الآن لابد من الإجابة في البداية عن سؤال وهو المعارضة لمَنْ؟
فلأول مرة في مصر منذ ثورة 1952 تصبح السلطة في مصر ذات رأسين "مدني وعسكري"، كما أن هناك مَنْ يعارض الرئيس فقط لأنه من التيار الإسلامي، وهناك من يؤيّده ويعارض المجلس العسكري، وهناك من يعارضه ويؤيّد المجلس العسكري، وهناك من يعارضهما معا.
وهنا بدت المعارضة المصرية ذات ملامح هلامية، وهذا ما أكده عمرو هاشم ربيع، مدير وحدة التحول الديمقراطي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي قال لوكالة "الأناضول" للأنباء إن مصر بعد الثورة "لم تخلق بها معارضة حقيقية بعد، بل أصبح كل فرد يحاول إبراز ذاته في ثوب المعارض".
ربيع وَضَع المجلس العسكري نفسه في مصاف المعارضة قائلا: "العسكري يقف في معارضة التيار الإسلامي، وهو حجر عثرة يقف حائلاً أمام التوافق بين الكتل المصرية".
نتائج الانتخابات الرئاسية لم تفرز فقط حجم المعارضة القوية لكل من التيار الإسلامي والمؤسسة العسكرية، ولكنها جعلت من المرشحَين المحسوبيَن على الثورة (أبو الفتوح وصباحي) رقمًا صعبًا في الحياة السياسية الجديدة على خلفية حجم الأصوات التي حصلا عليها في الجولة الانتخابية الأولى، على الرغم من تباين موقفيهما من الرئيس الجديد، ففي حين أعلن صباحي بوضوح أنه بات في صفوف المعارضة لكل من مرسي والمجلس العسكري، لم يصدر أبو الفتوح أي تصريحات تؤكد مقاطعته التعاون مع الرئيس، أو رفضه تسلم أي منصب في مؤسسة الرئاسة أو الحكومة.
واستمد صباحي وأبو الفتوح قوتهما من حجم الأصوات التي حصلا عليها في الجولة الانتخابية الأولى؛ حيث حصل صباحي على نحو 4 ملايين و800 ألف صوت، وحصل أبو الفتوح على أكثر من 4 ملايين، فهما لم يبتعدا كثيرًا عن الرقم الذي حصل عليه منافسيهما محمد مرسي وأحمد شفيق، وهو ما دفع كلاً منهما للإعلان عن أنه يبحث جمع الأصوات التي حصل عليها في كيان سياسي يعبّر عن المشروع الانتخابي والمبادئ السياسية والثورية التي صوّتوا لها، وإن كان غير واضح حتى الآن إن كان هذا الكيان سيكون حزبًا أم حركة سياسية.
أما محمد البرادعي الذي سبق وأعلن مبكرًا عدم رضاه عن المناخ السياسي الذي جرت فيه كل من الانتخابات التشريعية والسياسية، فقد اتخذ خطوة فعلية بالإعلان عن تأسيس حزب "الدستور"، آملا في أن يكون حزبًا جامعًا للقوى السياسية الثورية من كافة التيارات.
والكيان الجديد الذي أعلن عن تأسيسه صباحي قال إنه يعبر عن "التيار الثالث" الذي لا ينتمي لا لمؤيدي التيار الديني ولا لمؤيدي الحكم العسكري.
وبعد ذلك ظهر هذا المصطلح "التيار الثالث" في مشروعات جديدة لقوى سياسية أخرى، حيث أعلنت عدة أحزاب، بينها أحزاب المصريين الأحرار، والتجمع، والجبهة الديمقراطية عن كتلة مدنية بشعار "لا لزواج الدين بالسلطة ولا لعسكرة الدولة".
تلاها إعلان قوى وأحزاب سياسية أخرى منها أحزاب مصر الحرية، والمصري الاجتماعي الديمقراطي، والتحالف الشعبي وحملتا حمدين صباحي وخالد علي وشخصيات عامة عن تيار ثالث كبديل سياسي، خاصة في الانتخابات القادمة، أمام معارضي حكم الإسلاميين والعسكر.
وفيما يخص الحركات الثورية الشبابية (التي قادت الانطلاقة الأولى لثورة 25 يناير، وتضم اتجاهات متنوعة ما بين مستقلين وليبراليين ويساريين وإسلاميين من خارج التنظيمات الدينية) فإن معظمها، ومنذ بداية الثورة، أخذ خط معارضة كل ما يمت إلى نظام مبارك بصلة، أو يسعى لإعادة الحكم الديكتاتوري.
ولذا كانت في مقدمة الصفوف المعارضة للمجلس العسكري مبكرًا، ثم معارضة لبعض مكونات التيار الإسلامي التي لم تظهر معارضة قوية للمجلس العسكري بعد أن اقتربت من مقاليد الحكم في البلاد، ثم اختارت الوقوف بجوار المرشح الإسلامي محمد مرسي "مضطرة" في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بهدف هزيمة منافسه المحسوب على المؤسسة العسكرية، أحمد شفيق.
وفيما يخص شفيق بعد خسارته لسباق الرئاسة، فيضغط أنصاره عليه لتأسيس حزب يتصدر صفوف المعارضة لمرسي، لكنه لم يحسم الأمر بعد.
ومن جانبه، قال محمد نور فرحات- أستاذ القانون بجامعة عين شمس وأحد أبرز وجوه التيار الليبرالي في مصر، إن خريطة المعارضة في مصر الآن "تنقسم بين المعارض للدولة الدينية المستبدة وبين دولة العسكر".
وأوضح لـ"الأناضول" أن التيارات الليبرالية واليسارية معارضة لإقامة دولة دينية في مصر، وبعضها يخشي إقامة دولة عسكرية، بينما تقف ائتلافات الثورة الشبابية ضد حكم العسكر وتطالب بنقل السلطة كاملة للرئيس المنتخب.
فرحات أكد أن "التيار الثالث" الذي شارك في تكوينه "لن يخاطب الرئيس الجديد، ولن يتعامل مع مؤسسة الرئاسة، ولن نقدم له مقترحات، فخطابنا ليس موجهًا للسلطة أو الحكم، ولكنه موجه للشارع فقط".
ولا يستبعد الخبير القانوني أن تشهد خريطة المعارضة الحالية تغييرًا جوهريًا إذا أطلق الرئيس مرسي مبادرة لإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور بشكل متوازن، بحيث تمثل كل القوى السياسية".
وفي تقدير أحمد دراج، عضو الجمعية الوطنية للتغيير، فإن خريطة المعارضة "معقدة ومتشعّبة"، فهناك معارضة "مستأنسة"، وهناك معارضة "حقيقية"، وهناك معارضة "كراهية"، وهناك أحزاب ما قبل وما بعد الثورة.
وبشيء من التوضيح وضع دراج حركة "كفاية" التي تأسست عام 2004 لمعارضة حكم مبارك ومحاولات توريث ابنه الحكم، وحركة "شباب 6 أبريل" في صفوف المعارضة "الحقيقية"، حتى وإن كانوا داعمين لرئيس الجمهورية بشكل ما؛ نظرًا لرغبتهما في إنهاء حكم العسكر.
أما عن الجمعية الوطنية للتغيير التي ينتمي إليها (تأسست في بداية 2009 كمظلة جامعة لكافة القوي السياسية المطالبة بتغيير نظام مبارك، بقيادة الدكتور محمد البرادعي مدير وكالة الطاقة الذرية السابق) فقال لـ"الأناضول" إنها خرجت من مصاف المعارضة أو التأييد "بعد اختراق من قبل عناصر غير معلومة مزروعة من الحزب الوطني المنحل (الحاكم في عهد مبارك) وانسحاب قامات منها".
وعن التيار الإسلامي قال الناشط السياسي إنه "خرج من صفوف المعارضة منذ استفتاء 19 مارس 2011" الذي أصدره المجلس العسكري ووافق عليه الإسلاميون، لافتا إلى أن محمد البرادعي هو الذي "علي رأس المعارضة الحقيقية" في مصر الآن، غير أنها معارضة "غير متشنجة، كما أنه لا يجيد التعامل بأخلاقيات السياسة المصرية، فهو دبلوماسي من الطراز الأول".
ورأى دراج أن العديد من الأحزاب والائتلافات الموجودة على الساحة الآن "مخترقة"، وغالبية الأحزاب سواء المشكلة قبل الثورة أو بعدها "أصابها فيروس وداء الحزب الوطني"، مؤكدًا أن مصر "لن تشهد معارضة حقيقية ونظامًا حقيقيًا إلا إذا تم هدم كافة الأحزاب الموجودة وبناء نظام سياسي وأحزاب من جديد".
واعتبر عصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط ذي المرجعية الإسلامية، أن المعارضة الآن ضد حكم العسكر "لأن القوى المدنية التي تمثلها الأغلبية الإسلامية وقلة من التيار الليبرالي واليساري ترفض هيمنة المجلس العسكري على السلطة، بينما بعض التيارات الليبرالية المتحالفة مع المجلس العسكري تمثل الآن معارضة لمرسي".
ووضع سلطان حزب الكرامة الذي يتزعمه حمدين صباحي في مصاف القوي المعارضة لمرسي.
وحول خروج التيار الإسلامي من صفوف معارضة السلطة (باعتباره بات في السلطة) قال سلطان إن التيار الإسلامي "خرج بجسده، إلا أنه لايزال يفكر بعقلية المعارض المضطهد المقاوم؛ لذلك فهو دائم الشكوي".
إع-إب/حم
news_share_descriptionsubscription_contact
