سوسن القياسي
النجف – الأناضول
حفر الاحتلال الأمريكي للعراق - الذي تحل ذكراه السنوية العاشرة اليوم - في أعماق العراقيين ذكريات ومشاهد مؤلمة، أكثرها ألمًا مقابر شهدائهم حيث أصبحوا مجبرين على مشاهدتها والعيش معها، أما الشوارع فمازالت صورتها وهي مكتظة بالضحايا لا تفارقهم.
وسقطت العاصمة العراقية بغداد في 9 أبريل/ نيسان 2003 على يد قوات الاحتلال الأمريكي، وبعدها أعلنت القوات الأمريكية والبريطانية السيطرة على جميع الأراضي العراقية.
وفي مقبرة الشهداء بالنجف (جنوب العراق)، جاءت أمهات وآباء وأهالي ضحايا الاحتلال الأمريكي من مختلف المدن العراقية لزيارة قبور أولادهم بهذه المناسبة.
وروت أمهات "الشهداء" قصص وروايات مقتل أولادهن في معارك مع الجيش الأمريكي بمدن مختلفة من البلاد وهن يبكين لفقدهن فلذات أكبادهن الذين تركوا لهم يتامى كحمل ثقيل على عاتقهن في بلد "تائه فيه حق المواطن الفقير وتحكمه ميليشيات مسلحة عقب الانسحاب الأمريكي في العام 2011"، بحسب قولهن.
ولم تستطع والدة "الشهيد" فلاح حسن أن تتحدث أمام كاميرا الأناضول من شدة حزنها على ولدها الذي راح ضحية القتال مع الجيش الأمريكي في مدينة الصدر (شرق بغداد) عام 2004 مخلفا وراءه ثلاثة أيتام بعمر الزهور.
أم حسن اصطحبت أحفادها الثلاثة لزيارة قبر والدهم وهي تجهش بالبكاء، وتقول باللهجة العراقية العامة "ولك يمة ولك يا روحي شوف ولادك يكبرون بلياك" أي (يا ولدي وياروحي شاهد أولادك يكبرون بدونك).
وتقول بحزن لمراسلة الأناضول "إن زوجة ابني تركت لي أولاده وتزوجت، وهو ما أحزني كثيرًا".
وتتوجّه أم حسن بالقول لابنها الراقد في قبره "ماذا أفعل بأطفالك؟ مسؤوليتهم كبيرة على عاتقي ليس لي معين كيف أربيهم؟"، بينما راح الأطفال اليتامى الثلاثة بين حين وآخر يقبلون قبر والدهم.
أما والدة "الشهيد" محمد العتابي فتبدأ كلامها بالقول "أفتخر بشهادة ولدي الذي خرج ليقاتل المحتل والمغتصب لأراضينا وأنا مكلفة بتربية أولاده الثلاثة الذين كانوا أصلا يتامى لأن والدتهم توفت قبل فترة بمرض وتلاه استشهاد والدهم على يد الأمريكان في الناصرية" (جنوب غرب).
وتتابع "قصة شهادة ابني حزينة جدا حفرت ألمًا عميقًا في داخلي حتى قتلت جزءًا من روحي ..أصبحت أعيش كالميتة في هذه الدنيا لا أحس بطعم لها ولكنني مجبرة على العيش لرعاية اليتامى الذين في رقبتي".
وبحسب أم محمد "كان ولدي يرفض تواجد الأجنبي على أراضينا.. خرج يومًا مع زملائه في الناصرية وذهبوا جميعا إلى القاعدة الأمريكية ونفّذوا عملية ضدهم وقتلوا عددًا من الأمريكان لم يعلن عنهم ورجعوا إلى بيوتهم منتصرين".
"لكن في اليوم التالي قصفت مروحية أمريكية سيارة تقلهم لدي خروجهم لعملهم واستشهدوا فداءً للوطن، رافعين لنا راية الفخر والعز والكرامة، وعندما تلقيت خبر استشهاده ركضت إليه واحتضنته والدماء تسيل منه وحاولت أن أرى عيناه لآخر مرة ولكنهما كانتا قد فارقتا الحياة"، بحسب والدة العتابي.
وتضيف "الحمد لله على شهادته هذا فخر لي ولكن ألمه شديد جدا والآن أنا مكلفة بتربية أولاده والعناية بدراستهم فهم ثلاثة يدرسون في المرحلة الابتدائية ولم أستطع أن أحضرهم معي لزيارة قبر والدهم لأنهم منشغلون حاليا بالدراسة والامتحانات، وواجبي أن أجعلهم في أحسن حال".
وتتابع "أنا لا أفارقه كل أسبوع وأيام الأعياد آتي من الناصرية لزيارته وأقضي ليلة العيد معه.. فراقه صعب جدا ولكن الحمد لله على كل حال".
والدة أحمد خلف تروي حكاية "استشهاد" ولدها والألم يقطر من حروفها، قائلة "كان ولدي متدينًا يصلي ويقوم الليل ولا يرضى بالمحتل.. كنا جالسين في منزلنا جاءنا خبر بأن الجيش الأمريكي يقوم بإنزال قواته في قرية بمدينة العمارة (جنوب بغداد) ويقتلون المواطنين فحمل سلاحه وخرج لحماية أهلنا من المحتل".
وتمضي قائلة "وعقب ساعتين من خروجه جاءوا بجثته فقد قتل نتيجة إلقاء الجيش الأمريكي قنابل عنقودية عليهم، ونحمد الله كثيرًا لأنه ذهب بشرفه وعزته لم يضع يده بيد المحتل ولكنه قاتلهم حتى الموت".
وتستطرد والدة خلف بأن ولدها "استشهد منذ نحو عشر سنوات وأنا آتي كل جمعة من مدينة العمارة لزيارته، ولكني لا أصطحب ابنته الوحيدة التي تركها يتيمة وعمرها ستة أشهر".
وأضافت "قام ولدي الثاني بالزواج من زوجة الشهيد حتى نحافظ على عائلته ولا أستطيع أن أجلب حفيدتي الوحيدة إلى المقبرة لأنها تخاف وتمرض عندما نعود إلى منزلنا لذا لا نحضرها معنا إلى القبر حتى تكبر أكثر وتزور والدها الشهيد الذي مات بعزته".
أما والدة "الشهيد" ضياء علي التي كانت تتلو القرآن الكريم على قبر ولدها فترفض التحدث، قائلة "لا أحتاج أن أسرد بطولاته لأنني قدمته قربانًا إلى الوطن وهو الآن بأعلى منزلة عند رب العالمين وأحمده على تكرمه لي لأنني أصبحت والدة شهيد".