ولاء وحيد
الإسماعيلية (مصر) - الأناضول
لم تكترث "ديسنت"، تلك السيدة الإفريقية التي لم تتعد عامها العشرين، بمخاطر رحلة تتجاوز آلاف الأميال، واجهت خلالها استغلال عصابات التهريب لها ولطفلها الصغير، أملاً في الوصول إلى إسرائيل التي تعتبرها هي وغيرها من الإفريقيات بمثابة "الجنة الموعودة".
ما لاقته ديسنت هي وكثيرات غيرها من فقر وجوع ومرض وفوضى وعنصرية داخل موطنها في إثيوبيا هون عليها أية مصاعب قد تواجهها للفرار مما وصفته بـ"الجحيم" إلى "الجنة" الإسرائيلية، وذلك أملاً منها في تحقيق حلمها بالحصول على فرصة عمل تتيح لها عيشة كريمة، وتضمن لطفلها، الذي لم يتعد عامه الثالث، الحصول على قسط من التعليم.
رحلة قاسية بدأت من قلب إثيوبيا بالابتزاز المادي من قبل عصابات التهريب، وانطلقت تحت تهديد السلاح وسط الصحراء القاحلة في السودان ومنها إلى الأراضي المصرية، بين حرمان من الماء والطعام وظروف صحية سيئة وانتهاكات لآدميتهن في طريق الوصول لحدود إسرائيل، كما تروي عدد منهن لوكالة الأناضول للأنباء.
من داخل أحد السجون في مدينة الإسماعيلية، شرق القاهرة، وبالقرب من الحدود المصرية مع إسرائيل، التقت وكالة الأناضول للأنباء مع عشرات المحتجزات الإفريقيات واللاتي تم إلقاء القبض عليهن في الآونة الأخيرة أثناء التوجه إلى المنطقة الحدودية في محاولة للتسلل إلى إسرائيل عبر الحدود بشبه جزيرة سيناء.
تقول ديسنت: "قررت الهجرة من إثيوبيا للبحث عن فرصة عمل تمكنني من العيش وتوفير قوت يومي وتربية طفلي بعدما اختفى والده. قمت ببيع أثاث غرفتي التي كنت أسكن فيها داخل إحدى القرى القريبة من الحدود مع إريتريا في محاولة لتوفير تكاليف السفر إلى السودان بمساعدة عصابات التهريب".
وتضيف: "بعدما تمكنت من الوصول إلى أحد البدو المسئولين عن عملية التهريب طالبني بتسديد مبلغ على أن أستكمل الباقي عقب وصولي وبدء العمل، وتم تحديد موعد للسفر، وبدأت الرحلة من داخل إثيوبيا في ساعة متأخرة من الليل حيث قام البدوي المرافق للرحلة بتكديسنا والعشرات من النساء والرجال داخل صندوق شاحنة تم تغطيته بالبلاستيك، وانطلقت الشاحنة وسط الصحراء وما أن بدأ الفجر يبزغ حتى توقفت الشاحنة بالقرب من كوخ في منطقة غير آهلة بالسكان، وانتظرنا في هذا الكوخ حتى حلول المساء لنستأنف الرحلة من جديد ولكن مع رفاق آخرين".
وواصلت كلامها قائلة: "استمرت الرحلة بالسير ليلاً كل يوم والانتظار صباحًا داخل أكواخ في أماكن متناثرة لأكثر من 23 يومًا تحت ظروف قاسية تصل لحد التهديد بالقتل كلما حاول أي منا الاستفسار عن وجهتنا".
وتحتضن ديسنت طفلها وتبدو الدموع في عينيها وهي تقول: "بلغ الحال بي من العطش في كثير من الأحيان انتظار موعد تبول طفلي حتى أروي ظمأي بما يخرجه. نعم مضت علينا أيام طويلة لم نتجرع فيها شربة ماء وكان البدو يسمحون للأطفال فقط بالشرب جرعات قليلة ولكنها متقطعة".
وتلتقط خيط الحديث من ديسنت إحدى المحتجزات، التي رفضت ذكر اسمها أو التقاط صور لها، حيث تعتبر وجودها في السجن الآن وانتظارها لحكم القضاء أهون من الانتهاك الذي تعرضت له على مدار ثلاثة أيام خلال رحلة "العذاب"، حيث قالت إن اثنين من أفراد عصابة التهريب تناوبا التعدي عليها.
وقالت: "لم يكن معي أموال كافية أقدمها لعصابة التهريب عندما غادرت البلاد، وعلى الرغم من ذلك فإنهم قبلوا سفري وتهريبي وكانت هناك تلميحات من أحدهم بضرورة أن أسدد المستحقات التي أدين بها ولكن بطريقة أخرى، وبالفعل قام أحدهم في أحد الأيام بتقييدي والتعدي علي. وبعد القبض علي، شعرت وقتها بالنجاة من المصير المجهول الذي كان ينتظرني من هؤلاء المهربين".
"الفقر والجوع والمرض ما جاء بي هنا"، هكذا بدأت هادية، فتاة إثيوبية تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، حديثها وقالت: "لا تسألوني عن ما جاء بي إلى هنا فأنا تركت جدتي التي تعدت الثمانين من عمرها وأربعة من أشقائي الصغار ووالدي المريض للبحث عن مصدر رزق أستطيع به توفير الفتات من الطعام لأهلي".
وأضافت هادية: "لم أكن أنوي الدخول لإسرائيل ولم تكن وجهتي إلى مصر، خرجت من منزلي لأبحث عن فرصة عمل في السودان ووجدت نفسي مع كثير من الرفقاء هنا في مصر".
وتقول: "بدأت الرحلة من إثيوبيا إلى السودان ثم إلى مصر. وكان المهربون يقيدوننا في ساعات النهار داخل أكواخ تم إعدادها خصيصًا لنا تفتقد لكل الخدمات ولا يقدم لنا سوى وجبة واحدة من الطعام يوميًا وكوب واحد من الماء وأحيانًا لم نكن نعرف للزاد ولا للماء طعم في أيام كثيرة".
وتقيم إسرائيل على طول الحدود مع مصر جدارًا عازلاً تقول إنه يهدف إلى الحد من عمليات تهريب الأفارقة، وتشدد مصر، من جانبها، الإجراءات الأمنية على الحدود مع إسرائيل لمنع عمليات التهريب.
وتنظر محكمة استئناف الإسماعيلية واقعة ضبط واحتجاز نحو 450 مهاجرًا أفريقيًا بينهم نحو 100 سيدة و5 أطفال محتجزين بأقسام الشرطة بالإسماعيلية، ألقي القبض عليهم أثناء محاولتهم التسلل إلى إسرائيل على مدار الثلاثة أشهر الماضية.
وأكدت أحدث تقارير وزارة الداخلية الإسرائيلية أن نحو 62 ألف مهاجر أفريقي دخلوا إلى إسرائيل عبر الحدود المصرية منذ عام 2006 قادمين من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا.
وسنت إسرائيل مؤخرًا قانونًا يقضي بمعاقبة المهاجرين غير الشرعيين بالسجن لنحو ثلاث سنوات.
واعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش، المعنية بحقوق الإنسان، أن هذا القانون، الذي يعاقب طالبي اللجوء السياسي بالسجن دون توجيه تهمة إليهم، يعد انتهاكًا للحقوق الأساسية.
وقال محمد حنفي، الناشط الحقوقي المصري للأناضول: "هؤلاء المهاجرات وغيرهن الكثير فروا من بلادهم وتعرضوا للمخاطر ظنًا منهم أن إسرائيل أرض الميعاد والجنة الموعودة، رغم نفيهم الرسمي في تحقيقات الشرطة نيتهم الذهاب إلى هناك تجنبًا لتغليظ العقوبة عليهم".
وأضاف: "تحملوا كل هذه المشقة لأيام وليال دون أن يدركوا أن إسرائيل التي روجت لفكرة الهجرة إليها تعاني الآن من تفاقم أزمة المهاجرين، وبدأت تتخذ إجراءات جدية في ترحيل البعض من المهاجرين".
الظروف القاسية التي تعرضت لها هؤلاء الإفريقيات في بلادهن ورحلة الموت والانتهاك لآدميتهن التي استمرت لأكثر من شهر على يد عصابات التهريب صنعت من السجن لهن مأوى ومنقذًا من الموت، كما يقول عدد منهن، فيما تردد أخريات: لقد تبدد الحلم الذي راودهن في تحسين أوضاعهن المالية. وتوقفت أحلامهن، والآن يرغبن في العودة لبلادهن غير عابئات بالفقر والجوع.
و و/ ع ب/ حم