هكذا قال المصور الصحفي الإيراني أحمد ناطقي، وهو أحد شهود العيان على الهجوم الكيميائي لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، على مدينة حلبجه شمال العراق في 16 مارس/آذار 1988، عن جولته في تلك المدينة ذلك اليوم.
وأضاف ناطقي في حوار خاص مع مراسل الأناضول: "كانت حرارة تلك الظهيرة عالية، وكانت المناظر مؤلمة وتصل درجة ايلامها الى حدودها القصوى، ولم تكن في حدود طاقة الإنسان، ورؤيتها ليست بالأمر السهل، كانت كاميرات ذلك الوقت من النوع اليدوي وليس الرقمي، واستعمالها لم يكن بالسهولة المطلوبة وكان علينا أن نكون دقيقين جدا".
وكان "ناطقي" وعدد من الصحفيين والمصورين الأجانب ممن يقومون بتغطية الحرب العراقية - الإيرانية، قد وصلوا إلى الحدود العراقية الايرانية عند شمال العراق في 15 مارس/آذار 1988، بعد سقوط مدينة حلبجه بقبضة "الثوار الأكراد" والجيش الإيراني.
وانتقل المصورون والصحفيون إلى المدينة لتغطية الوضع فيها، لكن رد الجيش العراقي على ذلك، كان ضرب حلبجه بالسلاح الكيميائي، ليصير ناطقي وآخرون شهودا على مقتل نحو 5500 شخص وإصابة آلاف أخرين بجروح نتيجة ذلك القصف.
ولفت ناطقي في حديثه للأناضول، بمدينة إربيل شمال العراق، أثناء حضوره مراسم إحياء الذكرى الـ25 للهجوم الكيميائي على حلبجه، إلى أن "نقل ورواية أحداث الكوارث الانسانية ليس بالأمر السهل، وليس من السهل إبداء المشاعر إزاءها".
وكان العديد من الصحفيين والمصورين الأجانب قد وثقوا بصورهم وتقاريرهم الهجوم الكيميائي على حلبجه، لكن أعمال عدد قليل منهم نالت شهرة عالمية، منهم الإيراني "أحمد ناطقي"، والتركي "رمضان أوزتورك".
وإلى نص الحوار
*ماذا تتذكر عن أحداث ذلك اليوم الذي ضربت فيه حلبجه بالسلاح الكيميائي؟
**بعد أن كانت الأوضاع تهدأ في مواقع العمليات العسكرية بين الجيشين العراقي والإيراني بيوم أو اثنين، كنا نحن المصورين والصحفيين نذهب إلى هناك لتغطية الوضع فيها،. وصلت في يوم 15 مارس/آذار 1988 إلى موقع قريب من حلبجه بعد أنباء عن تحريرها من قبضة الجيش العراقي، من قبل البيشمركة الكردية (القوات المسلحة شمال العراق)، وفي اليوم التالي دخلت المدينة حوالي الثانية عشرة ظهرا، ليتبين لنا لاحقا أنها كانت قد قصفت بالسلاح الكيميائي منذ وقت وجيز.
*وماذا رأيت حينها؟
**شاهدت فتاة صغيرة في الثامنة أو التاسعة من العمر، لا زلت أحتفظ بصورتها، ملقاة على الأرض، وعلى وجهها ما يشبه مسحوق أبيض اللون، اعتقدت أنه تراب، فقمت بإزالته. كانت لا تزال حية تنبض، ونقلتها إلى جوار جدار قريب، حيث أجلستها وأخذت أبحث عما أستخدمه لتغطيتها، وعندما وصل إخوتها للمكان، مشيت من مكان إلى آخر ورأيت جثث القتلى متناثرة.
رأيت جثة "عمر خاور"، الرجل المسن الذي قضى وهو يحتضن حفيده الرضيع الميت هو الآخر بفعل الأسلحة الكيميائية، ورأيت العديد من الأطفال، ماتوا وهم في أحضان آباء وأمهات قضوا في القصف، بعضهم كان في طريق الهرب من القصف، وقضى على الطرقات. أتذكر مشهد لسيارة نقل صغيرة كانت محملة بالنساء والأطفال الذين أرادوا الخروج من حلبجه، لكنهم قتلوا وهم داخل السيارة.
*كم هو مختلف سماع أنباء عن وقوع عمليات إبادة جماعية، ومشاهدتها بشكل حي كما حدث معك؟
**سمعت بوقوع العديد من المجازر وعمليات الإبادة الجماعية مثل التي وقعت في البوسنة (على أيدي القوات الصربية ضد المسلمين بين أعوام 1992-1995 وذكرت الأمم المتحدة أنها أدت لإبادة أكثر من 300 ألف مسلم)، لكن مشاهدة ذلك أمر مختل. مشاهدة طفل وهو بحضن أبيه أو أمه عن قرب في تلك الحالة ينجم عنه شعور آخر لا يمكن وصفه.
*مرت 25 سنة على هجوم حلبجه، فهل هناك ما تود قوله؟
**نعم، أود أن أدعو السلطات العراقية للحفاظ على المواقع التي تعرضت للهجوم بالسلاح الكيميائي في حلبجه كمنطقة تاريخية وأثرية هامة. وقد طرحت الأمر على "هيرو إبراهيم أحمد"، زوجة الرئيس العراقي جلال طالباني مؤخرا. طلبت أن يجري الحفاظ على المنطقة، وإبقاء آثارها دون المساس بها، لتبقى شاهدا على ما حدث. لكن للأسف وقع بعض التغيير والعبث بهذه الأماكن، وذلك ليس في صالح أهل المنطقة التي يمكن الاستفادة منها في المجالات السياحية والأثرية.
*مرور 10 سنوات على الإطاحة بصدام حسين الذي أمر طياريه بقصف حلبجه بالسلاح الكيميائي.. هل يعني شيئا لك؟
**حدثت تغييرات كثيرة في العراق والمنطقة خلال السنوات الأخيرة، لكن حقوق ضحايا حلبجه أمر مختلف وأكبر بكثير من التغيير الحادث، فحقوق الضحايا كبيرة جدا، ولم يتمكن المصابون وذوو القتلى من الحصول عليها، والحكومة العراقية والإقليمية في شمال العراق مسؤولتان عن حصول هؤلاء على حقوقهم.