غزة/ الأناضول/ علا عطا الله- كأنه عثر على مغارة "علي بابا"، بكل كنوزها وبريق ما تحتويه.. أخذ "أنس" ابن الخمسة أعوام يصرخ بفرحٍ أثار دهشة المارين.
غير أن أمه التي كانت تراقبه جيدا وهو يبتعد عنها لعدة خطوات، ابتسمت بعمق لسر ما اكتشفه صغيرها.
فالكنز الذي لم يكن سوى سوق الزاوية بغزة حيث لم يتوقف "أنس" عن الهتاف لألعاب وزهور وروائح تسكن المكان.
ورغم تعدد الأسواق في غزة، إلا أن سوق "الزاوية" الذي يقع منتصف المدينة؛ يقف على قمة هرم الأسواق في أجندة "أم أنس".
وترفع "أم أنس الحلو" شعار "أجمل الأسواق" وهي تصف سوق الزاوية، فربة البيت والأم لخمسة صغار تجد كل ما ينقص مطبخها في هذه الساحة الصغيرة.
وفيما هي تعدد أصناف ما تقتنيه من هذا المكان قالت لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء:" كل شيء موجود هنا، والخضار، والفواكه، والبهارات، والعطارة ".
ولا تتخيل أم أنس غزة بدون هذا السوق، فهو كما تراه قلب المدينة النابض وأشهر معالمها :" واليوم كان بمثابة الكنز الذي يكتشفه صغيري ..".
وبين أعشاب الزعتر، والبابونج، والمرمية، وأنواع أخرى من الأعشاب الطبيعية التي كانت رائحتها تفوح وتجذب الزبائن تجولت كاميرا الأناضول في شوارع سوق الزاوية بغزة والذي بدا-بعالمه الخاص -منفصلا عن ضوضاء المدينة وضجيج السيارات والمباني.
وعلى أحد أبواب المحال التجارية للعطارة طل "ممدوح زين الدين" وهو يرتب الأعشاب ويفصل ما بين أكياس التوابل .
وكما لو أن هذا السوق بيته خرج صوت صاحب العقد الرابع من عمره محمّلا بنبرات الوفاء :" سكان قطاع غزة من مختلف المدن والأحياء يأتون إلى هنا".
ويزور الأهالي هذا السوق وفق "زين الدين" للبحث عن كل مفقود، وتأتي "العطارة" في مقدمة الأشياء التي يتم السؤال عنها :" مع انتشار المعلومات عبر شبكة الإنترنت، والحديث المستمر عن فوائد الطب البديل بدأ الجميع يتهافت إلى هنا لشراء الأعشاب التي تداوي الكثير من الأمراض."
ولا يشعر زين الدين الذي يقف على باب محله في كل صباح منذ أكثر من عشرين عاما، وارثا المهنة عن والده الذي ورثها عن جده بالتعب والضيق :" هذا المكان جزء من حياتنا، لا نتخيلها بدونه."
ويعتبر "سوق الزاوية" الواقع وسط مدينة غزة امتداد تاريخي لسوق القيسارية والذي يعود إنشاؤه إلى العهد المملوكي.
وأقيمت القيسارية في قلب البلدة القديمة في غزة، وهي تشكل جزءا معماريا ضمن وحدة معمارية متكاملة، تتألف من الرواق الجنوبي للجامع العمري الكبير، والذي أنشأه السلطان محمد بن قلاوون عام 1329، وقام بفتح باب على وسط سوق القيسارية، إكمالا لتلك الفلسفة العمرانية التجارية في ذاك الوقت.
وتقسم شوارع السوق لعدة زوايا حسب السلع والمنتج المعروض مثل زاوية الخضار وزاوية سوق العطارين وزاوية للسمك، وأخرى للفواكه، وزاوية لألعاب الأطفال.
وفي عهد الانتداب البريطاني أطلق عليه اسم "سوق الأفندية" لأنّ أكثر من يأتي لسوق الزاوية هم من الطبقة الثرية والموظفين الذين كانوا يتقاضون رواتب جيدة في ذلك الزمن.
وفي الوقت الحالي يُقبل عليه كل طبقات المجتمع لتنوع ما يُباع فيه ولأن أسعاره مناسبة للجميع.
وفي زاوية بعيدة من السوق أحاطت عربات الفواكه، والخضروات والأسماك بسيدة سبعينية تبيع النعناع، رفضت أن تتحدث لكاميرا الأناضول وأشارت بيدها إلى جارتها الأخرى "أم إبراهيم الأشقر" صاحبة العقد الخامس من عمرها وهي تفترش الأرض.
وتنسق في أطباق التوت البري قالت "الأشقر" إنها تأتي إلى هنا لأن الجميع يقبل على هذا السوق لشراء حاجياته، لتميزه بأسعار تناسب جميع الطبقات.
وعلى مقربة منها كان "جهاد الريفي" صاحب الـ"17" ربيعا يتكئ على عربته الخشبية الصغيرة المتهالكة، التي ورثها عن أبيه المقعد والمريض .
وفيما أشعة الشمس تتسلل من زوايا السوق لتزيد من اسمرار بشرته قال لـ"الأناضول":"الكل يأتي إلى هنا حتى السيّاح الأجانب يأتون هنا لشراء الغريب من الأعشاب والعطور، يلتقطون الصور كمكان أثري".
وتلتقط الأناضول صورة للحاج الستيني "منصور حرز الله" الذي يأتي في كل يوم لسوق الزاوية بعربة تضم شتلات للورد والزهور بمختلف ألوانها وأشكالها .
ويقول بائع الورد الذي يحفظ المكان رائحته منذ أكثر من ثلاثة عقود إن السوق لم يختلف عن الماضي كثيرا وظل محتفظا بزواياه، وأن الآباء قاموا بتوريث محلاتهم التجارية وأمكنتهم التاريخية إلى أبناءهم .
ويبدو السوق كأسرة واحدة، ويصفق الجميع لأبو شادي أبو عقلين "45 "عاما ما أن يلوح بعربته الصغيرة، فظهوره يعني أن السوق بتجاره وزبائنه على موعد مع حنجرة يلقبونها بـ"فاكهة السوق".
وبينما كان "أبو عقلين" يدندن بألحانه اقترح عليه رواد السوق أن يغني في "أراب أيدول" (برنامج للمواهب الشابة في الغناء بالوطن العربي على قناة سعودية خاصة) وأن ينافس الصوت الفلسطيني "محمد عساف" (أحد المتسابقين في البرنامج).
هذا الاقتراح دفعه للضحك والاعتراف :" كلنا هنا نغني، هذا السوق موسيقى، إنه الوجه الآخر لغزة".
ويرتدي هذا السوق أجمل حلله في شهر رمضان وفق التاجر "عمر الحلو" "44 عاما" صاحب محل لبيع العطارة المبارك حيث يُعلق أصحاب المحلات التجارية في ممراته فوانيس رمضان وتفترش المنتجات الرمضانية بكامل أصنافها وربيع ألوانها أرضية وزاويا السوق.