سارة آيت خرصة
مراكش– الأناضول
في قلب مدينة مراكش، جنوب المغرب، يبسط "جامع الفنا" ساحته الفسيحة التاريخية أمام فناني التراث الشعبي، لعرض مواهبهم على رواد الساحة في تقليد ألفه أهل المدينة منذ مئات السنين.
ومن هؤلاء الفنانين رواة الأحاجي وعازفو الموسيقى الشعبية.
فالساحة التي أقيمت مع بناء المدينة في عهد حكم "المرابطين"، في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، كانت ولاتزال ساحة فرح وحكاية ورواية للتاريخ.
ففي ليل المدينة كما في نهارها تغص على مدار اليوم "ساحة جامع الفنا"- التي صنفتها منظمة اليونسكو إرثًا عالميًّا مشتركًا- بصخب الأهازيج الشعبية وضحكات الناس.
وفي كل ركن من الساحة يتحلق زوارها في "حلقة" يتوسطها ممثل هزلي أو عازف بارع يتغنى بلحن شعبي قديم.
وفي بعض الحلقات (الدائرة التي يشكلها المتابعون حول الفنان الهزلي أو البهلواني) تتعلق أعين الناس منبهرة بمروضي الأفاعي والعقارب والقردة.
يعلق أحدهم على عنقه ثعبانًا أو يحمل في جسده عقارب يبرهن بها للرواد أنه يتمتع بقدرات خاصة، وعلى نغمات نايه تتمايل الأفاعي، لتتسلل تباعًا من مخابئها، وعبر الموسيقى فقط يحاور المروض ثعابينه ويشد أنظار المتابعين.
ويقول عبد السلام، أحد ممثلي الروايات الشعبية في الساحة: "منذ أن كنت صغيرًا كنت أرافق والدي إلى ساحة جامع الفنا، كان ممثلاً بارعًا، وعنه ورثت أصول فن الحلقة، وتجولنا سويا في أرياف وأسواق شعبية ومواسم دينية؛ حبًا في هذا الفن وطلبًا للرزق".
ويصف مؤرخون مغاربة ساحة جامع الفنا بحلقاتها الفنية بـ"أكبر خشبة مسرح استعراضي عمومية في المغرب، حيث يصوغ الممثلون حكاياتهم بطريقة عفوية ويجسدونها بشكل هزلي، ويقبل عليها الجمهور بتلقائية".
وينقل "الحْلاَيْقي"، (لقب يطلق على فناني الساحة)، زوار حلقته إلى زمن القصة الخاص، لينتهي الاستعراض، إن نال إعجاب الجمهور، بإلقاء قطع نقدية؛ تشجيعًا له ومكافأة على عرضه.
وتعد الحلقة الشعبية أحد أشكال الاستعراض الفلكلوري التراثية القديمة، حيث كان "الحْلاَيْقي" مشهورًا بين القبائل وأهل القرى، يجول في أسواقها ويرتحل مع المواسم الشعبية، يطرب الجمهور لقصصه وتمثيلياته المضحكة حينا والمليئة بالعبر حينا آخر، والتي غالبا ما يستقيها من الموروث الشعبي القديم وينظمها في أشكال قصائد جزل مقفاة محبوكة بعناية.
غير أن أصحاب هذه الفنون الآن حياتهم ليست كلها مشحونة فقط بالطرب وتصفيق الجماهير، بل يكدرها ضيق ذات الرزق في كثير من الأحيان.
ويشرح ذلك عبد السلام قائلا "أهل مدينة مراكش، أصحاب نكتة وفكاهة، مازالوا أوفياءً لفن الحلقة ولحكاياتها المسائية، لكن الأوضاع هنا غير مريحة.. لا تستطيع أن تؤمن قوت يومك مما يجود به العابرون المعجبون بقصصك وأحاجيك".
كما يصارع فن الحلقة ليحافظ على وجوده كفن يحمي الذاكرة الشعبية من الأحاجي والحكايات التي كان يتداولها الناس، وأضحت اليوم بفعل التطورات الثقافية داخل المجتمع المغربي مهددة بالنسيان.
وتصنف الحلقة الشعبية ضمن التراث اللامادي، ويدعو مهتمون بالشأن الثقافي في المغرب للعمل على الحفاظ عليها داخل الأماكن العامة والساحات التاريخية كما هو الحال في ساحة جامع الفنا بمراكش، ودعم فناني الحلقة الذين يساهمون على الرغم من صعوبة ظروفهم المادية في الحفاظ على هذا التراث.
ورغم التفجير الذي هزّ أحد المقاهي التاريخية بساحة جامع الفنا سنة 2011 وذهب ضحيته 17 شخصًا أغلبهم من السياح الأجانب، سرعان ما استعادت الساحة ألقها الذي ألفته لمئات السنين، وعادت لتعيش على إيقاع أهازيج الموسيقى القديمة، والحكايات الأسطورية، وتوافد سياح تغص بهم جنبات الساحة على مدار السنة.