محمد أبوعيطة
سيناء (مصر) الأناضول
بعين دمعت على تعذّر دخوله إلى قطاع غزة بعد رحلة سفر على الأقدام استمرت 5 أشهر لتحقيق هذا الحلم، جلس "فؤاد محمد سليم" الرحالة البريطاني الجنسية ذو الأصول الإيرانية وحيدًا قبالة بوابة معبر رفح المصري (شمال شرق) على الحدود مع غزة.
بلا جدوى، حاول الطلب مرارًا من ضابط الأمن المسؤول على البوابة الخارجية للمعبر، السماح له بالدخول وإنهاء إجراءات مغادرته مصر إلى غزة، لكن الإجابة كانت في كل مرة: "عليك العودة إلى القاهرة وإحضار تنسيق من سفارة دولتك هناك".
بعد مكوثه لعدة ساعات قبالة أبواب المعبر، أيقن خلالها "فؤاد سليم" باستحالة تحقيق حلمه بالوصول لغزة في ذلك اليوم، تجول الرحالة في مدينة رفح المصرية على قدميه، ومنها عاد إلى مدينة العريش القريبة، حيث أجرى جولة على المسؤولين المعنيين لمحاولة تسهيل مهمة عبوره، لكنه لم يوفق.
أحاطه المسؤولون علما بأن إجراءات قانونية "لا يمكن مخالفتها" هي ما تحول دون دخوله، وبعدها بساعات تم استدعاؤه بمقر جهاز الأمن الوطني بالعريش (شمال سيناء)، حيث راجع ضباط مختصون أوراقه، وفحصوا هاتفه النقال، فتبين لهم أنه لا يمثل خطورة على الأمن المصري، غير أن الضباط المحققين لم يستطيعوا مساعدته في دخول غزة، ما دفعه مضطرا للعودة إلى القاهرة، حسبما يروي سليم.
وقبل مغادرته العريش، التقت الأناضول الرحالة "فؤاد سليم" في منزل أحد أبناء سيناء، الذى استضافه لعدة أيام، وهناك تحدث عن تجربته.
أشار "سليم" إلى أنه رحالة "من أجل السلام بمناطق العنف في سوريا وفلسطين والعراق وإيران"، لا يؤمن بالمواطنة في شطر معين، ويعتبر أن كل أنحاء الأرض ملك للناس كافة، ويجب أن تزال كل الحدود والعقبات، وينتهى الصراع بين البشر عليها، ليعيش كلٌ آمن بنفسه ومعتقده، وفكره.
وتابع أنه يبلغ من العمر 41 عامًا، ويحمل الجنسية البريطانية، وهو من أسرة كانت تعيش على الحدود العراقية الإيرانية قبل أن تقسمها الحدود إلى شطرين، وأن بعضًا من أبناء عائلته يحملون الجنسية العراقية وآخرين إيرانيين.
وبيّن "سليم"، في حديثه لمراسل الأناضول، أنه انطلق في رحلته من بريطانيا سيرًا على الأقدام يوم الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وكل ما يحمله لوحة كتب عليها هدفه من الرحلة، وجواز سفره البريطاني، الذى يعتبره مجرد وثيقة مطلوبة للتنقل عبر الحدود.
لا يحمل الرحالة البريطاني/الإيراني نقودًا كثيرة معه، كما قال، ويترك لقدميه أن تنقلانه من مكان إلى آخر، ويرحّب بمن يرغب في مساعدته بنقله أو توفير مبيت أو غذاء له أثناء سيره للإبقاء على حياته، ونشر رسالته للسلام.
وبحسب قوله، فقد انطلق من بريطانيا ومنها إلى فرنسا، ثم إيطاليا، وسلوفينيا، وهنغاريا، ورومانيا، وبلغاريا، وتركيا، والعراق، ثم عاد إلى تركيا ومنها إلى قبرص، ليعود لتركيا للمرة الثالثة ومنها سافر بحرًا إلى مصر، التي وصل إليها عن طريق ميناء دمياط (شمال) على ساحل البحر المتوسط، في 16 مارس/آذار الجاري، وواصل سيره على الأقدام، عبر الأراضي المصرية، شرقا في اتجاه غزة إلى أن وصل إلى معبر رفح.
وأوضح أنه لم يسمح له بالدخول من المعبر، وطلب منه المسؤول الأمني أن يحضر من سفارة بريطانيا "تنسيقًا خاصًا به كما هو متبع عند مرور أي أجنبي من مصر إلى غزة". ويقصد عادة بالتنسيق تأييد أو تزكية السفارة لطلب مواطنيها دخول غزة.
واستمر "سليم" بروايته، قائلا: "أخبرتهم أنى لا أعترف بأي سفارات، ورحلتي ليست رسمية كممثل لدولة، ولن أقوم خلالها بجلب أي تأشيرات من بريطانيا أو مساعدة لي"، ولكن كانت الإجابة هي الرفض.
"لم تفلح جهود بذلها مسؤولون بمحافظة شمال سيناء، التي تضم المعبر، عبر الاتصال بأجهزة المخابرات في دخولي بعد لجوئي إليهم، وأعقبها القيام باستدعائي لمقر الأمن الوطني للتحقق من شخصي وهدفي من التجول على الأقدام، وما قمت بالتقاطه من صور خلال رحلتي من دمياط إلى سيناء"، هكذا تابع.
ويواصل سليم القصة بقوله: "خلال تجولي في مدينة رفح المصرية، عرض علىَّ بعض الشباب عندما عرفوا قصتي إدخالي عبر نفق حدودي إلا أنني رفضت ذلك لأنه أمر غير قانوني، وحاليا أفكر في دخول غزة بطريقة أخرى، وقيل لي إنه يمكن فعل ذلك عن طريق منفذ طابا المصري مع إسرائيل، إلا أنني لا أعترف بوجود إسرائيل، ولا أريد أن أمر بقدمي من أرض تحتلها، وبتأشيرات تحمل ختمها، وسأحاول مرة أخرى ومرات عسى أن تكلل الجهود وأصل إلى غزة".
وحول ما قابله من صعوبات في رحلته، قال إنه أمضى على قدميه مشيًا نحو 1000 كم، وباقي المسافة يتطوع أناس، ويقومون بحمله معهم في سياراتهم أثناء مصادفته وهو يمشى على قدميه، ومن الصعوبات التي حكى عنها تعرضه لتحرش الكلاب الضالة في مناطق حدودية مهجورة من السكان بالعراق، حيث مكث عدة أيام في خيمة بانتظار السماح له بالمرور، الأمر الذي تكرر معه سابقا على حدود بلغاريا.
الرحالة فؤاد سليم لفت إلى أنه أثناء مروره من تركيا، وجد حفاوة بالغة من أهل المدن التي مر بها، وفى مناطق جنوب غرب تركيا منحه المسؤولون بطاقات تسهل له المرور ومساعدته لحين وصوله قبرص.
وأشار إلى أنه لا يحمل معه مالاً تقريبا، لأن "المال هو أساس الفتنة والصراع بين الناس، وأريد أن أتجرد منه تماما، وأترك رسالة للناس أن تتعاون بدون مال"، على حد قوله. موضحًا أنه يقول لمن يمر عليه إنه لا يملك مالاً ويحمل رسالة سلام، وهذا يجعل البعض يتعاطف معه بتقديم طعام أو توفير إقامة أو وسيلة مواصلات، ومن يساعدونني هم المؤمنون برسالتي، وهم كثر.
منقولات سليم التي يحملها بحسب ما رصده مراسل الأناضول، هي لوحة صغيرة كتب عليها اسمه وتاريخ انطلاق رحلته وهدفه منها، ومجموعة كتب رحلات، وهاتف نقال حديث يستخدمه في الاتصال والتصوير، وأجندة يكتب فيها من يقدم له مساعدة كلمات للذكرى.
ويتصدر الصفحات الأولى من أجندة سليم بيان مكتوب بعدة لغات عن شخصيته وغرضه من رحلته يقدمه لمن يريد أن يعرف عن هذا، وجاء في البيان: "أرحّب بكم من قلب معسكر السلام، جئت من المملكة المتحدة سيرًا على الأقدام حاملاً رسالة سلام إلى كردستان والشرق الأوسط بشكل خاص والعالم بشكل عام، أدعو وأطالب بوقف العنف في سوريا وفلسطين بأسرع وقت، أدعو إلى عدم الشروع في حرب مدمرة في كردستان وإيران".
وأضاف البيان على لسان الرحالة: "في رسالتي الداعية إلى السلام، أدعو إلى رفع الحدود بين الناس، حيث إنهم أحرار في السفر، ورفع أحكام الإعدام أينما وجدت، والتخلص من الأسلحة النووية والكيماوية وجميع أسلحة الدمار الشامل، والعمل على توزيع الثروات على سكان الأرض بصورة عادلة".
news_share_descriptionsubscription_contact
