محمد أبوعيطة
سيناء (مصر) - الأناضول
أثار تصاعد أعمال العنف مؤخرًا بسيناء المصرية جدلاً واسعًا حول خريطة موازين القوى التي تتحكم في الأحداث بهذه المنطقة الحدودية الهامة، فضلا عن مدى قدرة الدولة على إحكام قبضتها على سيناء.
وانسحبت عناصر الشرطة من مدينة "العريش" بشمال سيناء، السبت الماضي، عقب مقتل 3 من زملائهم برصاص مسلحين مجهولين، حيث تجمهروا أمام مبنى مديرية الأمن، مهددين بالتوقف عن العمل ما لم يتم تسليحهم بالشكل المناسب قبل أن يفضوا تجمهرهم عقب إقالة مدير أمن شمال سيناء.
وكان الملفت كذلك خروج شيوخ قبائل معينين من قبل وزارة الداخلية عن صمتهم بعد تجاهل وزير الداخلية أحمد جمال الدين لقاءً كان مقررًا معهم، ورفعوا عصا الاحتجاج أمام ديوان المحافظة الأحد الماضى، معتبرين أن مناطقهم باتت فى خطر والأمن "يتجاهل خيوط اللعبة متعمدًا"، بحسب قولهم.
ومنذ ثورة 25 يناير، بدأت موازين القوى في شبه الجزيرة المصرية تتغير شيئًا فشيئًا في غير صالح الدولة، فضعفت القبضة الأمنية على سيناء التي شهدت العديد من الحوادث الأمنية أبرزها الهجوم الذي استهدف قوات من الجيش والشرطة في رفح في أغسطس/آب الماضي والذي راح ضحيته 16 جنديًّا.
وآخر تلك الأحداث مقتل 3 شرطيين على يد مسلحين مجهولين، ظهر السبت الماضي، بالإضافة إلى تفجير خط أنابيب الغاز الموصل لإسرائيل والأردن والذي يمر في سيناء أكثر من 15 مرة منذ اندلاع الثورة.
وتمكنت أجهزة الشرطة من العمل جزئيًا بسيناء خلال الشهور الثلاثة الماضية، ونشطت بشكل ملحوظ في أدائها ومدها لشبكة تعاون جديدة مع أهالى المنطقة، كما نشرت قواتها فى "العريش" ومدن وسط سيناء، وكثّفت من تواجد عناصرها بمنطقة الشيخ زويد القريبة من الحدود، وكذلك أعادت افتتاح مقر مركز الشرطة بها والذى كان قد تعرض للحرق إبان أحداث ثورة 25 يناير.
غير أن اللاعب الأهم في الملفات الأمنية بشبه الجزيرة المصرية يبقى جهاز المخابرات الحربية والذى يحظى بصلة تعاون وثيق مع أفراد وقبائل سيناء بمختلف توزيعاتها الجغرافية، بحسب مصادر أمنية مطلعة.
وعلى صعيد موازين القوى، برزت خلال الأشهر الماضية قوة المسلحين الذين فرضوا وجودهم على المشهد بقوة أسلحتهم، وينقسمون إلى من يحمون تجارة مخالفة للقانون مثل تهريب السلاح أو الوقود والمواد الغذائية إلى قطاع غزة عبر الأنفاق الحدودية، وآخرين محسوبين على ما يعرف بـ"التيار السلفي الجهادي".
وحقق المسلحون من وراء تلك التجارة مكاسب طائلة مكنتهم من "فرض وجودهم وتمرير ما يطالبون به من أجهزة الدولة الرسمية وتعزيز قوة من يمثلهم أو ينتمى إليهم قبليًّا فى المؤسسات الشعبية أو الأحزاب السياسية"، بحسب سكان محليين.
وهناك نوع آخر من المسلحين وهم المحسوبون على ما يسمى التيار "الجهادي" المتشدد، وهم بدورهم قوة مجهولة فى سيناء تحتضن فى كنفها كل من ينتمون لهذه التيارات التى يتركز وجودها بالمناطق الحدودية والعريش.
فى حين تراجع بشكل ملحوظ دور الرموز القبلية، نتيجة أن أغلبهم محسوب على نظام الحكم السابق وحصلوا على تلك الصفة بموافقة أجهزة المخابرات والشرطة والتى تصنفهم وفق القانون أنهم موظفون بوزارة الداخلية، وهو ما أضعف هيبتهم حتى وإن ظلوا محتفظين بتلك الهيبة ظاهريًا فقط، وفق تصريحات متطابقة لرموز قبلية.
وأهم ما يلفت فى مشهد توازنات القوى بسيناء هى "القوة الصامتة"، كما يصفها الإعلامى السيناوي "مصطفى سنجر"، وتضم الصف الثانى من الرموز القبلية والشباب النشطاء والمثقفين وغير المحسوبين على تيارات دينية أو فكرية أو حزبية.
ويقول "سنجر" إن تلك القوة تشعر بالتذمر تجاه الدولة لتجاهلها لهم وإصرار مؤسساتها على التعامل مع سيناء عبر أجهزة الأمن حتى وإن خالفت القانون، وكذلك تتهم تلك الفئة الدولة بالعجز عن توصيل مطالب الناس أو الوقوف على حلها وتشكل هذه القوة امتدادها على مساحة سيناء بكافة مناطقها.
ويضيف "سنجر" أن قوة أخرى لافتة للنظر بدأت تظهر فى سيناء وهى القوة الاقتصادية الجديدة أو من يعرفون بطبقة الأثرياء الجدد الذين كونوا ثروات هائلة من تجارة الأنفاق وما يندرج تحت مسمى الاقتصاد السرى غير المراقب مكنتهم من وضع يدهم على كثير من مفاصل المحافظة.
أما بالنسبة للأحزاب والتشكيلات السياسية فى سيناء، كما يرصدها مراسل وكالة الأناضول للأنباء، فلاتزال في "مرحلة الولادة"، ويعتبر أبرزها تشكيلاً وتنظيمًا حزب "الحرية والعدالة" الذى ضم عناصر جماعة الإخوان المسلمين بالمحافظة، وينتشر أعضاؤه بمناطق شمال وله أعداد أقل بوسط سيناء والمناطق الحدودية.
حزب "النور" السلفي، الذى ينتمى إليه الغالبية من أبناء التيار السلفي، يحظى كذلك بتواجد لافت بكافة المناطق والمدن يليهما بقية الأحزاب الأخرى القديم منها والجديد والتى تمثل بأعداد محدودة، وإن كان تأثير تلك الأحزاب في أحداث سيناء غير فاعل، وهو ما بدا لافتًا خلال الأحداث الأخيرة.
وهناك أيضا رموز النظام السابق فى سيناء وهم بدورهم قوة خفية ويضمون عناصر مؤثرة قبليًّا ورجال أعمال وقيادات سياسية وشعبية سابقة بعض منهم عاد يمارس دوره من خلال الشكل القبلي أو العائلي أو عبر جمعيات أهلية وأحزاب جديدة، ولا يزال قيادات منهم تعد مصادر حل تستعين بها الأجهزة الأمنية فى تعاملها مع أحداث سيناء، بحسب سكان محليين.
ويقسم الملحق الأمني والعسكري لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء طوليًا إلى ثلاث مناطق (أ)، و(ب)، و(ج) بالترتيب من الشرق إلى الغرب، حيث (ج) هي المنطقة الملاصقة للحدود الإسرائيلية.
وتتناقص كمية القوات ونوعية التسليح التي تسمح بها الاتفاقية للجيش المصري في سيناء كلما اقتربت المنطقة من الحدود الإسرائيلية، حتى تصل إلى قوات الشرطة والقوات شبه العسكرية فقط مع تسليح خفيف في المنطقة (ج).