محمد الخاتم
الخرطوم ـ الأناضول
تباينت ردود أفعال خبراء وسياسيين سودانيين حول فرص نجاح ترسيم الحدود بين دولتي السودان وجنوب السودان عبر التفاوض بحسب ما اتفق عليه الرئيسان عمر البشير وسلفاكير ميارديت أمس الجمعة في ختام زيارة البشير إلى جوبا.
وفيما قال خبير سوداني إن الأفضل للدولتين هو اللجوء إلى التحكيم الدولي لفض نزاعهما الحدودي، اعتبر آخر أن المفاوضات هي الحل الأمثل؛ لأن نتائجها عادة ما ترضي الجانبين.
ولم يعلن الرئيسان أمس توقيتًا محددًا لبدء مفاوضات الحدود، لكن الوسيط الإفريقي ثابو أمبيكي كان قد أعلن في مارس/ آذار الماضي أن التفاوض سيبدأ عقب البدء في تنفيذ الاتفاقيات المدرجة في بروتوكول التعاون، والذي شرع فيه الطرفان فعليًا في العاشر من الشهر الماضي.
ونجح البلدان في مارس/ آذار الماضي في الاتفاق على كيفية تنفيذ بروتوكول التعاون الذي كانا قد وقعاه، برعاية الإتحاد الإفريقي في سبتمبر/ أيلول الماضي، ويشمل تسع اتفاقيات تضم كل القضايا الخلافية المترتبة على انفصال جنوب السودان، باستثناء ترسيم الحدود، ومن أبرز تلك القضايا النفط والأمن والمتمردون والمواطنة.
ويتنازع الطرفان على 6 مناطق إستراتيجية وتنبع أهميتها لارتباطها إما بحركة الرعاة أو التجارة البينية، وهي: أبيي، وجودة، والمقينص، وكاكا التجارية، والميل 14، وحفرة النحاس والتي يسميها الجانب الجنوبي بـ"كافنجي".
والمنطقة الأبرز هي أبيي الغنية بالنفط والمراعي الخصبة، وقد شهدت اشتباكات عسكرية شرسة أكثر من مرة قبل وبعد انفصال الجنوب في يوليو/ تموز 2011.
وتمثل المناطق المتنازع عليها 20% من الحدود، وهي الأطول في إفريقيا بين أي جارتين، حيث تقارب الألفي كيلومتر.
ورغم اتفاق الطرفين على نسبة 80% من الحدود، إلا أنها لم تُرسم حتى الآن على الأرض.
وقال مهدي دهب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم، لمراسل "الأناضول"، إن التحكيم الدولي، وليس التفاوض، "هو الخيار الأنسب لأن نظرته موضوعية ومبنية على الوثائق والإرث التاريخي".
ومضى قائلاً إن "خلاف الرؤى بين الحكومتين والمرارات التي خلفتها الحرب الأهلية بينهما ستؤثر سلبًا على فرصة الحل السياسي".
وعن رفض الخرطوم طلب جوبا من قبل اللجوء إلى التحكيم الدولي لفض النزاع، رأى أنه "على الخرطوم أن لا تشعر بالخوف من هذه الخطوة، خاصة أن التحكيم سيتم بناء على المرجعية التي حددها الطرفان مسبقًا، وهي حدود 1956"، وهو عام الاستقلال عن بريطانيا ومصر.
وينص اتفاق السلام، الموقع بين الشمال والجنوب عام 2005، والذي مهد لانفصال الجنوب عبر استفتاء شعبي صوت فيه الجنوبيون لصالح الانفصال بأكثر من 98%، على اعتماد الحدود التي تركها المستعمر عشية الاستقلال كمرجعية حيث تم تعديل حدود الأقاليم من قبل الحكومات الوطنية أكثر من مرة.
واعتبر دهب أن "مصدر القلق الوحيد بالنسبة لحكومة الخرطوم هو التغيرات الديموغرافية التي خلفتها الحرب الأهلية بسبب نزوح أعداد كبيرة من الجنوبيين إلى أراض شمالية".
في المقابل، قال الخبير القانوني أبو بكر عبد الرازق لمراسل الأناضول إن "التفاوض هو الخيار الأنسب لفض النزاع الحدودي؛ لأن الاتفاق المترتب عليه سيكون برضا الطرفين، وهو ما قد لا يتوفر في التحكيم الدولي الذي يأتي لصالح طرف على الآخر".
وأضاف عبد الرازق، المتخصص في القانون الدولي، أن "حدود السودان مع مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا غير مرسمة؛ لذا لا ضير على السودان لو صبر على ترسيم حدوده مع الجنوب؛ لأنه الأقرب إليه"، على حد تقديره.
واقترح "جعل هذه المناطق الحدودية بين دولتي السودان مساحات تكامل اقتصادي وثقافي واجتماعي بالنظر إلى التداخل بين القبائل الحدودية".
ويعيش على جانبي الحدود حوالي 10 ملايين شخص غالبيتهم يمتهنون الرعي.
وأشار عبد الرازق إلى أن "8 قبائل شمالية رعوية تقضي 8 أشهر في الجنوب؛ لحاجتها إلى مراعيه الخصبة ومياهه، بينما تقضي في الشمال 4 أشهر المتبقية".
واعتبر أن "الشمال هو الذي يحتاج إلى فتح الحدود مع الجنوب، والأخير ليس لديه قبيلة واحدة تعبر شمالاً كما هو الحال مع القبائل الشمالية".
في الوقت نفسه أوضح أن "الجنوب يحتاج للشمال في التجارة حيث يستورد منه نحو 172 سلعة، كما يصدر نفطه عبر الشمال ويعلم أبناءه في الشمال".
وختم عبد الرازق بأن "حاجتنا للجنوب أكبر؛ فنحن أيضًا مستفيدون من التجارة مع الجنوب وتصدير نفطه عبر أراضينا".
فيما قال رئيس حزب الأمة القومي المعارض الصادق المهدي إن "تجاهل النزاع الحدودي من شأنه نسف الاتفاقيات الموقعة؛ لذا لا بد من التعجيل بحسمه عبر مفوضية حكماء من البلدين تضم 6 من كل جانب".
ويتم تشكيل المفوضية، حسب مقترح المهدي الذي سلمه للجانبين ولم يتلق ردًا عليه حتى الآن، عبر ترشيح كل طرف 18 شخصًا يختار الآخر 6 منهم.