سارة آيت خرصة
الرباط ـ الأناضول
أثار قرار حزب "الاستقلال" المغربي (ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد) الانسحاب من الحكومة جدلاً واسعًا حول مستقبل التحالفات الحكومية "الهشة" بين أحزاب لا يجمعها أي انسجام فكري.
ومنذ تشكيل الائتلاف الحكومي الحالي قبل نحو عام ونصف العام، شكت أصوات داخل الائتلاف نفسه من عدم انسجام مكوناته، وتضارب تصريحات قادته، ليأتي إعلان "الاستقلال" عن قرار انسحابه ليفتح الباب على مصراعيه لهذا الجدل.
وحزب "الاستقلال"، الذي يتنمي لأحزاب الكتلة الديمقراطية (تأسست سنة 1992)، كان قد اختار غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، التي فاز فيها حزب "العدالة والتنمية" (الإسلامي)، الانضمام للائتلاف الحكومي، إلى جانب شريكه في الكتلة (حزب التقدم والاشتراكية).
وآنذاك، عزا الحزب قراره إلى رغبته في المساهمة في إنجاح أول تجربة حكومية بعد الإصلاحات الدستورية، التي دفعت بها الحركة الاحتجاجية في المغرب بالتزامن مع بداية الربيع العربي.
وانضم "الاستقلال" في الائتلاف إلى "العدالة والتنمية"، صاحب أكبر عدد من مقاعد البرلمان، و"التقدم والاشتراكية" ذي التوجه اليساري، والحركة الشعبية (المحافظ)، بعد جولات من المشاورات السياسية، لتشكيل حكومة من بين أبرز مهامها تنفيذ ما نصّ عليه الدستور الجديد من إصلاحات في قطاعات عدة، إضافة إلى مواجهة التحديات الاقتصادية التي فرضتها الأزمة المالية في أوروبا على الاقتصاد المغربي.
ويرى تاج الدين الحسيني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الرباط، أن "فشل الأحزاب المغربية في إنشاء أقطاب سياسية كبرى تجمعها وحدة المرجعية الإيديولوجية، وذات مشروع مجتمعي، يجعل من التحالفات بين الأحزاب السياسية، تحالفات مؤقتة وهشة ومهدد بأن ينفرط عقدها في أي لحظة".
وبانتخابه أمينا عاما لحزب الاستقلال في سبتمبر/أيلول الماضي، طالب حميد شباط رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، أمين عام حزب "العدالة والتنمية"، بإجراء تعديل وزاري بهدف "تقليص العدد الإجمالي للحقائب الوزارية، وربط توزيع القطاعات الوزارية بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب في الانتخابات الأخيرة"، لكن بنكيران لم يستجب.
ووجّه شباط، وهو قيادي نقابي سابق، خلال الاحتفالات بعيد العمال بالعاصمة المغربية الرباط، انتقادات لأداء الحكومة، التي يشارك فيها حزبه.
واعتبر أن حصيلتها بعد سنة ونصف من توليها السلطة "هزيلة"، وهو ما أثار، بحسب تقارير إعلامية، حفيظة رئيس الحكومة المغربية، مطالبا شباط بالاعتذار عن تصريحاته.
وفي حديث سابق لـ"الأناضول"، قال الخبير السياسي المغربي محمد ضريف إن انسحاب حزب "الاستقلال" من الحكومة "لم يكن مفاجئًا"، خصوصا بعد اتهامه بنكيران بأنه يتعامل مع باقي شركائه في الحكومة بمنطق "الأحزاب المكملة لا الأحزاب الشريكة، وتصعيده (الاستقلال) في الآونة الأخيرة لخطاب النقد الموجه للحكومة ولتدبيرها ملف الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد".
وبحسب الحسيني "دخل المغرب في مرحلة الانتظار بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه العاهل المغربي محمد السادس مع الأمين العام لحزب الاستقلال وحثه فيه على إبقاء وزراء حزبه في الحكومة، للحفاظ على السير العادي لأعمالها"، وذلك إلى حين عودته (الملك) من فرنسا.
وينص الدستور المغربي، وفقا للتعديلات الدستورية الجديدة، في مادته الـ 42 على أن "الملك هو الضامن لدوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويسهر على حسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي".
وتتجه الخيارات بشأن الأزمة، وفق الحسيني، إلى "تغيير الوزراء الاستقلاليين المشاركين في الحكومة بأن يحل محلهم آخرون من نفس الحزب، تلبية لرغبة أبداها شباط في وقت سابق، لكن بنكيران لم يتجاوب معها".
وتضم الحكومة المغربية 32 وزيرًا، بينهم امرأة واحدة فقط، ويتقلد وزراء ينتمون لحزب الاستقلال 6 حقائب وزارية، بينما يتولى حزب "العدالة والتنمية" 11 حقيبة، بينها العدل والخارجية.
ومن بين الخيارات أيضا، بحسب الحسيني، أن "يقدم بنكيران على الإعلان عن انتخابات تشريعية مبكرة (قبل الموعد المجدول وهو عام 2016) طبقا للفصل 104 من الدستور، لكن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، لا تسمح بإجراء انتخابات مبكرة"، على حد تقديره.
ومضى قائلا إنه "في حال الاتجاه نحو هذا المسار فمن المحتمل أن يحصد حزب العدالة والتنمية أغلبية جديدة على غرار الانتخابات السابقة خصوصا أن التقديرات تقول إنه لايزال يحظى بشعبية في الشارع".
ويرى الحسيني أن هناك مسارًا آخر بإمكان الحكومة أن تنتهجه، وهو "إقناع أحزاب لا تنتمي إلى المعارضة الصلبة، بالانضمام إلى الائتلاف لملء الفراغ الذي سيخلفه حزب الاستقلال، حيث يكفي إقناع حزبي التجمع الوطني للأحرار (ليبرالي) والتجمع الدستوري (ليبرالي) لضمان أغلبية بالحد الأدنى للحكومة في مجلس النواب".
وبانسحاب "الاستقلال" يتراجع عدد مقاعد أحزاب الائتلاف الحكومي من 220 إلى 160 مقعدًا، مما يعني أنه على الائتلاف عقد تحالف يوفر له 38 مقعدًا لتصبح حكومة بالحد الأدنى من الأغلبية، وهي 198 من أصل 395 مقعدًا في مجلس النواب (الغرفة الأولى من البرلمان المغربي).