نور أبو عيشة
صور: مصطفى حسونة
فيديو: متين كايا
غزة - الأناضول
يستخدم صيادو غزة مصابيح الإنارة بكثافة لجذب الأسماك حول قواربهم، ومن ثم صيدها، لكن إسرائيل تستهدف هذه المصابيح.
على متن قاربه الصغير، الذي لا يتجاوز طوله 6 أمتار، لملم الصياد الغزيّ محمد النجار (37) عاماً، شباكه وعقد نيّته للنزول إلى البحر "ليلا" ليصطاد منه ما قُدّر له، كي يطعم أسرته المكونة من عشرة أشخاص، بينهم والدته المريضة.
وعلى بعد 2.5 ميل من شاطئ غزة، حيث تتجمع مراكب البحرية الإسرائيلية، والتي يطلق عليها الصيادون اسم "بومة الليل"، توقف النجار هناك، خوفا من تعرّض تلك "البومة" له.
أشعل "كشّافات" الإنارة المستخدمة لتجميع الأسماك حول القارب، وانتظر لمدة ساعة.
لحظات قضاها النجار وقلبه يخفق خوفا كلّما شاهد من بعيد قوارب البحرية الإسرائيلية تحوم وسط البحر، فعندما حانت لحظة العمل، وصل النجار إلى حافة القارب - بخطوات متأرجحة - وثبّت أقدامه، ورمى شباكه بحثا عن رزقه.
بينما كان النجار منهمكا بجرّ الشباك، سمع صوتا من بعيد عبر "مكبّر الصوت" يناديه: "اتجه نحو الشرق مسافة 200 متر، حالا وإلا لن تخرج سالما اليوم". كان صوت الجنود الإسرائيليين المتواجدين على مراكب البحرية.
فتمتم النجار في سرّه: "يا رب، عليّ أن أسرع وأنفّذ الأوامر، قبل أن يطلقوا النار علي أو يتسببوا في إعطال مركبتي".
سحب النجار الشباك وأطفئ نصف كشافات الإنارة، وذهب نحو الشرق، وإذ بالبحرية الإسرائيلية تنتظره هناك، وتفتح النيران تجاهه.
في البداية، صوبت نيرانها تجاه كشافات الإنارة حتّى تعطّل عميلة الصيد بـ"نجاح" فتبعد الأسماك المتجمعة حول القارب، ومن ثم صوّبت أنبوب ضخ المياه ذا "الضغط العالي" نحو المركب، فألقى الضخ العالي للمياه النجار أرضاً، كما تسببت في عطل المركب ومعداته.
ويقول النجار لمراسلة "الأناضول": "تعرّضت للهجوم الإسرائيلي قبل ثمانية أيام، وأصبت في قدمي، وزميلي تعرّض لصعقة كهربائية قاسية نتيجة ضخ المياه على المولد الكهربائي".
ولفت إلى أن مركبه تعرض للكثير من الأضرار جراء الاستهداف، حيث تلفت عشرة كشافات للإنارة، إضافة إلى تلف مولدين كهربائيين.
ويوضح أن سعر كشاف الإنارة الواحد يبلغ ما بين 150 و200 دولار، كما أن "اللمبة" التي توضع داخل الكشاف ثمنها 30 دولارًا.
ويضيف: "في كل قارب يجب وضع -على الأقل- خمسة كشافات للإنارة لتجميع الأسماك حول القارب، وإلا ستفشل عملية الصيد، فالكشافات هي أساس العملية".
ويكمل: "كلفتني الكشافات العشرة مبلغ 1500 دولار، والمولد الكهربائي الواحد حوالي 350 دولارًا، واقترضت النقود من صديق لي، فأنا أعيل عشرة أشخاص بينهم والدتي المريضة، ومهنة الصيد لا توفر لي الكثير".
ويشدد على أن "البحرية الإسرائيلية تستهدفهم (الصيادين) لمجرد التضييق عليهم وزيادة الخناق، وأعباء الحياة".
بدوره، يقول الصياد وأمين سر نقابة الصيادين في قطاع غزة، أمجد الشرافي، إنه تعرّض قبل ثمانية أشهر، لهجوم إسرائيلي في عرض بحر غزة، حيث أطلقت البحرية النيران على مراكب الصيد، وبدأت في تحطيم كشافات الإنارة.
ويضيف "أصبت برصاصة في قدمي نتيجة الاستهداف، إضافة إلى تعطّل مركبي.. واقتادتنا البحرية الإسرائيلية إلى ميناء أسدود الإسرائيلي ليلا وأطلقت سراحنا في صباح اليوم التالي بعد نحو 10 ساعات.. بينما لا يزال قاربي محتجزا حتى هذه اللحظة".
ويتهم الشرافي إسرائيل بتعمد تضييق الخناق على الصيادين، ومنعهم من مزاولة مهنتهم، حيث "تبدأ باستهداف كشافات الإنارة، وبعدها تستخدم مياه الضغط المرتفع فتعطل الأجهزة الكهربائية، وتطلق النيران للترهيب ولا مانع لو أصابت صيادين أو قتلت أحدهم، كما أنها تسيطر على القوارب وترفض الإفراج عنها لفترات طويلة".
وبحسب زكريا بكر، مسؤول لجنة الصيادين في اتحاد لجنة العمل الزراعي بغزة، فإن "المراكب الصغيرة تحتاج ما بين 5 و10 كشافات حتى تكون قادرة على تجميع الأسماك وصيدها، بينما تحتاج الكبيرة ما بين 50 و100 كشاف إنارة، وتتناسب كمية الكشافات مع الوضع الاقتصادي لكل صياد".
ويوضح بكر أن "الاستهدافات الإسرائيلية لكشافات الإنارة يتأتي لتكبيد الصيادين مبالغ كبيرة، ومنعهم من النزول إلى البحر".
ويضيف أن "الصيادين في غزة يضعون كشافات الإنارة على قواربهم ومراكبهم وفي المقابل تضع إسرائيل على مراكبها الصواريخ والمدافع وأنابيب ضخ مياه الضغط العالي".
ويوضح أن "إسرائيل في موسم أسماك السردين تستهدف كشافات الإنارة بشكل أكبر؛ لأن ذلك النوع من الأسماك لا يتجمع إلى عند الضوء".
ومضى قائلا "كما تحاول البحرية الإسرائيلية إغراق قوارب الصيد من خلال الدوران بأقصى سرعة من قبل الزوارق الحربية ذات المحركات القوية حول القارب، لإهاجة الأمواج الأمر الذي يترافق مع ضخ المياه بقوة إلى داخل تلك المراكب".
ويتهم البحرية الإسرائيلية بارتكاب عدة انتهاكات منذ بداية شهر مايو/أيار الجاري، إذ أغرقت 6 قوارب صيد، وأتلفت 9 مولدات كهربائية وأكثر من 60 كشاف إنارة.
وتصاعدت هذه الانتهاكات بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) برعاية مصرية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، والذي أُعلن خلاله عن تخفيف الحصار البحري، وتوسيع رقعة الصيد المسموحة إلى ستة أميال.
إذ تراجعت إسرائيل، التي تحاصر قطاع غزة منذ أكثر من ست سنوات، عن هذا الاتفاق، وأعادت حصر منطقة الصيد المسموح بها إلى ثلاثة أميال مرة أخرى نهاية مارس/آذار 2013.