سارة آيت خرصة
الرباط - الأناضول
قال الموساوي العجلاوي، الخبير في الشأن المالي، إن التدخل العسكري في مالي بقيادة فرنسا سينجح بفضل القوة الجوية الفرنسية، في هزيمة الجماعات المسلحة التي تسيطر على الشمال المالي، دون أن ينهي المعارك معها تمامًا.
وأوضح العجلاوي، الأستاذ بمعهد الدراسات الأفريقية في المغرب، في حوار مع مراسلة "الأناضول"، أن الجماعات المسلحة ستنتقل إلى حرب العصابات والقيام بهجمات مضادة ضد قواعد القوات الأفريقية والفرنسية التي ستقام في مالي.
واستدل على ذلك بتسرب عدد من المسلحين وسط المدنيين الفارين من الحرب الدائرة في الشمال إلى الشرق الموريتاني، والذي يخشى أن يتحول إلى قاعدة خلفية للتنظيمات المسلحة بهدف شن هجمات ضد القوات الفرنسية والأفريقية التي ستقيم معاقلها هناك بعد إنهاء سيطرة المتمردين عليها.
واعتبر العجلاوي أن الوضع في مالي يهدد بشكل مباشر استقرار الوضع السياسي والأمني في الجزائر والمغرب وموريتانيا وكوت ديفوار، واصفًا موريتانيا بـ "الحلقة الأضعف" في الصراع الدائر لضعف إمكانياتها الأمنية.
وفيما يلي نص الحوار:
- في أي سياق جاء التدخل العسكري الفرنسي في مالي، وهل تعتقد أن عملية "النمر الأفريقي" ستنتهي سريعًا؟
أولاً الحركات الجهادية التي سيطرت على شمال مالي بعد الانقلاب العسكري الأخير في 22 مارس/آذار الماضي، وفي مقدمتها حركة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد، كانت تهدف من هجومها الأخير على مدينة "كونا" في القسم الجنوبي من مالي لاعتماد استراتيجية توجيه الضربة الاستباقية والسيطرة على مناطق جديدة في ذلك القطاع كمدينتي "موبتي" و"سيباغي"، وغيرهما وهو ما كان سيفتح الطريق إلى العاصمة باماكو، لكنها أخطأت التقدير واستعجلت بالتالي التدخل العسكري الفرنسي.
كما كانت تهدف، عبر هجومها الاستباقي، إلى الحيلولة دون هجوم قوات الجيش المالي عليها، وهو ما استنفر فرنسا وجعلها تبادر بقيادة عملية "النمر الأفريقي" في هذا التوقيت بالذات، بعد الحصول على دعم سياسي ودبلوماسي أممي واسع.
وطبقًا لآخر المعطيات العسكرية في الميدان، فإن عملية "النمر الأفريقي" ستكون عملية سريعة في البداية، تستهدف القوات الفرنسية من خلالها إنهاء سيطرة التنظيمات المسلحة على أبرز معاقلها في الشمال كمدينة "تمبكتو" و"داونلزا" و"كيدال" و"كادو"، وهو ما تحقق لحد الساعة، حيث تراجعت هذه التنظيمات شمالا في اتجاه الحدود مع الجزائر وموريتانيا.
لكن الخشية من أن نزوح المسلحين الإسلاميين إلى شمال غرب البلاد، وتداول بعض الأنباء التي تفيد بتسرب البعض منهم مع اللاجئين الفارين إلى موريتانيا، يؤشر لبداية مرحلة جديدة من الصراع تقوم على أساس تكتيك "حرب العصابات".
بمعنى أنه ستصبح بعض المناطق على الحدود الموريتانية بل وحتى الجزائرية، قواعد خلفية لعمليات حرب عصابات ستلجأ إليها هذه التنظيمات للقيام بهجمات مضادة على القوات الأفريقية والفرنسية التي من المحتمل أن تنتشر في المنطقة بعض إكمال السيطرة عليها.
والهجوم الذي قاده المسلحون الإسلاميون انطلاقا من مدينة "النعمى" الموريتانية على مدينة "ديابلي" في العمق المالي، يؤكد هذه الفرضية.
- أمام هذا الوضع، ما التأثير المباشر لهذه السيناريوهات على دول الجوار وبشكل خاص موريتانيا والجزائر؟
أود التأكيد على أن الوضع الذي كان سيحكم مستقبل المنطقة، في حال نجاح حركتي أنصار الدين، والتوحيد والجهاد، وباقي التنظيمات المتحالفة معهما في السيطرة على مدينة "كونا" في الجنوب، ومنها الوصول إلى مشارف العاصمة باماكو، كان يهدد بنية وكيانات بعض الدول بذاتها.
فليس من المبالغ التحذير من أنه في حال سيطر المتمردون على الجنوب المالي، كان هذا سيؤثر على موريتانيا بشكل مباشر باعتبارها الحلقة الأضعف في منطقة الساحل والصحراء، كما أن شمال كوت ديفوار ذا الأغلبية المسلمة المجاور لمالي، كان سيصبح من السهل اندماجه مع حكم هذه التنظيمات الجهادية، والنيجر كذلك سيكون في خطر.
والإشكال الحالي في أفريقيا كما ترصده كل الدراسات التي قمنا بها، هو إشكال بناء الدولة؛ فأغلب الدول هي دول فاشلة، وبعد انهيار الحكم فيها يصبح من الصعب إعادة بناء هياكلها.
ولا نبالغ إذا حذّرنا من أن فشل أو عدم استكمال العملية العسكرية الفرنسية – الأفريقية في استعادة الشمال المالي لأهدافها، سيجعل استقرار وأمن هذه الدول في خطر كبير.
والآن بعد نجاح الطيران الفرنسي في إجبار المسلحين على مغادرة أبرز معاقلهم في الشمال ستتدخل القوات البرية الأفريقية لإقامة قواعد عسكرية لها في هذه المناطق للحفاظ عليها بدعم فرنسي، فيما ستعتمد الجماعات المسلحة حرب العصابات لضرب هذه القواعد ومحاولة إعادة بسط سيطرتها.
- هل تتفق مع بعض التحليلات الغربية في أن إنهاء أزمة مالي لن يتم إلا بالحل السياسي المتمثل في الشروع في بناء الدولة المالية والحوار مع بعض الجماعات المسلحة؟
لا بد أن نذكّر بأن الساحة السياسية المالية الآن، وبعد الانقلاب، تشهد حالة فوضى وتشرذم واضحة، تجعل من الصعب البدء في عملية انتقال سياسي سريع، فما زالت النخبة السياسية المالية منقسمة إلى اتجاهين، اتجاه يدعم الانقلاب العسكري الأخير في 22 مارس/آذار الماضي، وأخرى ترفض الانقلاب وتدعو لإعادة الشرعية إلى البلاد والبدء بعملية بناء الدولة المالية.
وبالتالي هذه الانقسامات إلى جانب الوضع الميداني الذي أظنه سيظل مفتوحًا على كل الاحتمالات، ستتطلب من القوى الدولية والإقليمية مساعدة الطبقة السياسية في مالي على إرساء قواعد مرحلة سياسية جديدة ما زلنا نجهل ملامحها.
- الموقف المغربي منذ البداية لم يعارض التدخل العسكري، هل هذا نابع من خشية المغرب من أن تؤثر تداعيات الوضع المالي على استقرار منطقة الساحل والصحراء في الجنوب المغربي؟
منطقة الساحل والصحراء تعرف منذ سنوات حركة نشيطة لتجارة المخدرات وتهريب السلاح، وتعد المنطقة بين "مدينة الزويرات" الموريتانية ومشارف مخيمات تندوف، جنوب الجزائر، التي تسيطر عليها جبهة البوليساريو، أكثر المناطق نشاطًا في تجارة السلاح وتهريب الكوكايين.
وهذه المنطقة الآن مع استعار الحرب في مالي أضحت محط توافد لمقاتلي التنظيمات الجهادية والمالية، وكل هذه التطورات تتفاعل على بعد كيلومترات من منطقة الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من طرف الجزائر، وبالتالي من الطبيعي أن تشكل هذه التطورات مصدر تهديد لأمن منطقة الصحراء في الجنوب المغربي.