هاجر الدسوقي
القاهرة - الأناضول
توقع هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة، أن يقوم "جنوب السودان" قريبا بالتوقيع على اتفاقية عنتيبي لإعادة اقتسام مياه النيل التي وقع عليها معظم دول حوض النيل ما عدا مصر والسودان بدعوى أنها تخصم من حصتهما في مياه النيل.
وفي مقابلة خاصة مع وكالة الأناضول، قال رسلان: "أعتقد بشكل عام أن جنوب السودان أقرب للتوقيع على هذه الاتفاقية وسيكون ذلك بمثابة إضعاف لموقف مصر والسودان".
ونبه رسلان في حواره إلى أن "السودان يمكن أن يحصل على بعض الفوائد الجزئية من بناء سد النهضة الإثويبي من خلال مساعدته على ضبط تدفقات المياه طوال العام وحمايته من غرق أراضيه في موسم الفيضان ولكن ستلحق به الأضرار على المدى الطويل من خلال حجز كميات الطمي الخصبة للزراعة خلف السد الإثيوبي ومنع تدفقها لأراضي السودان".
وحذر رسلان من تنامي العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية، القائمة على تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لإثيوبيا ومساعدتها في بناء الأجهزة الاستخباراتية والسدود، وأرجع السبب في هذا التنامي إلى "غياب الدور المصري"، مشدداً على "ضرورة إعادة مصر لصياغة علاقتها بالقارة الافريقية".
وإلى نص الحوار:
نريد أن نعرف ماذا يمثل سد النهضة الإثبوبي بالنسبة لدول المصب (مصر والسودانيْن) في الوقت الحالي؟
سد النهضة جزء من مخطط أوسع للسدود الإثيوبية التي تصل في بعض التقارير إلى 30 سدا، ولكن التركيز الأساسي لدولت المصب على سد النهضة لأنه السد الذي سيقام قرب الحدود الإثيوبية السودانية مباشرة، وقد تمت زيادة ارتفاع سد النهضة ثلاث مرات على التوالي وهو ما يعني زيادة كمية التخيزن خلف السد أي نقصان تدفق المياه المتجه إلى السودان ثم إلى مصر.
وانخفاض منسوب المياه في خزان السد العالي وخزان أسوان في مصر يعني عدم القدرة على توليد الكهرباء التي تحتاجها مصر، وبالتالي التأثير سلبياً على جميع مناحي الحياة المصرية في كل المستويات.
هل تعني أن بناء سد النهضة يزيد من نفوذ إثيوبيا على جيرانها من دول المنطقة؟
سد النهضة لن يزيد من نفوذ إثيوبيا على جيرانها بقدر ما سوف يساعدها على التنمية، حيث أن خطط السدود الإثيوبية تهدف إلى توليد 50 ألف ميجا وات من الكهرباء في المستقبل، واستخدامات إثيوبيا الحالية 5 آلاف ميجا وات بمعنى أن سلسلة السدود هذه سوف تولد 10 أضعاف احتياجات إثيوبيا من الطاقة، وبالتالي لن تستطيع استيعاب هذه الكميات وسوف تلجا إلى التصدير للحصول على مورد من هذه الطاقة الكهربائية تساعد به في التنمية بأجزاء أخرى. الإمداد بالكهرباء سوف يجعل إثيوبيا جزء من شبكة التنمية أو من قضايا التنمية في الدول التي تستورد هذه الكهرباء من إثيوبيا.
ما هو تاثير هذا السد على دول المنبع والمصب؟
دول المنبع لا تتأثر ببناء السد، ولكن الدولتان المتأثرتان هما مصر والسودان وأهم هذه الأضرار أنه في الوقت الذي تقدر فيه كمية المياه التي تأتي خلف بحيرة السد العالى عند أسوان بمصر بحوالي 84 مليار مكعب سنويا، 15% منها يأتي من الإتجاه الجنوبي وباقي الكمية تأتي من الهضبة الإثيوبية عبر النيل الأزرق ونهر عطبرة، سيتم بناء هذا السد في الهضبة الإثيوبية مباشرة قبل حدود إثيوبيا مع السودان لكي يحجز تدفقات المياه المتجهة نحو السودان ومن ثم نحو بحيرة السد العالي.
هل صحيح أن السودان يمكنها الاستفادة من بناء هذا السد؟
صحيح يمكن للسودان أن تحصل على بعض الفوائد ولكنا جزئيا وستلحق بها الأضرار على المدى الطويل، لأن بناء سد النهضة وتخزين المياه واستخدامه فى توليد الكهرباء سوف يساعدها على ضبط تدفقات المياه بالسودان طوال العام بدلاً من أن ياتي موسم الفيضان وتغرق بعض أراضيه ، لكنه في نفس الوقت سوف يحرم السودان من تدفقات الطمي التي تاتي مع الأمطار لأنها سوف تكون محجوزة خلف السد.
وماذا عن التأثير السياسي لبناء إثيوبيا لسد النهضة؟
التأثير السياسي يقتصر على مصر لأن السد سوف ينقل موقع تخزين المياه من خلف السد العالي في بحيرة ناصر إلى خلف سد النهضة في الأراضي الإثيوبية وبالتالي سوف تفقد مصر ميزة استراتيجية كانت تمتع بها من قبل وهي ان يكون تخزين المياه في موقع وطني داخل الأراضي المصرية.
هل تعني أن المبتغى من بناء السد سياسي بالدرجة الأولى؟
تاريخيا، إثيوبيا دولة قديمة ذات حضارة وربما هي الدولة الوحيدة التي لم تخضع للاستعمار وترى أنه لها دور ومكانة في إفريقيا وأن مصر هي التي استحوذت على القدرات والإمكانيات، ومن هنا يوجد حساسية لدى الجانب الإثيوبي وليس المصري.
أعتقد أن إثيوبيا تسعى في هذه المرحلة إلى أن تصبح دولة مهيمنة ومسيطرة في القرن الافريقي وأن تمد هذه الهيمنة والسيطرة إلى حوض النيل وأن تغير من خلال سد النهضة والسدود الآخرى القواعد الحاكمة لتوزيع المياه.
وماذا عن موقف مصر اتجاه هذه المساعي؟
مصر لا تمانع بل ترحب بالمساعدة في الخطط التنموية الإثيوبية بشرط ألا يكون ذلك على حساب مصالح الأمن القومي المصري؛ لأن أي نقصان في المياه سوف يهدد تنميتها المتواصلة، خاصة أن هناك يقين لدى متخصصى المياه والري أن سد النهضة سوف يكون له أضرار كبيرة بتدفقات المياه الثابتة نحو السودان ومن ثم مصر.
لكن بالطبع هذا غير محدد بدقة بالنظر لغياب التصمصيات الهندسية بهذا السد، فنحن نفتقد معلومات هامة مثل فترة ملء الخزان، والتي ستدخل في حساب الأضرار.
حدثنا عن تمويل سد النهضة في ظل الفقر الذي تعاني منه اثيوبيا؟
لا نعرف بالظبط تكلفة سد النهضة، ولكن التقارير الإثيوبية تشير إلى أن التكلفة تقدر بـ4 ونصف مليار دولار، وبالطبع إثيوبيا لا تمتلك هذه الأموال لبناء هذا السد، وأيضا تعاني من بعض المصاعب للحصول على تمويل في بناء هذا السد خاصة أن البنك الدولي ومجموعة الدول المرتبطة به لا تقوم بتمويل أي مشروعات مائية في مناطق يوجد فيها نزاع، (اتفاقية عنتيبي ورفض مصر والسودان التوقيع عليها جعل البنك الدولي والمجموعة المرتبطة به تمتنع عن التمويل)، وهو ما دفع إثيوبيا للبحث عن مصادر خارج هذه المجموعة مثل الصين وايطاليا.
ولكن مصر تسعى إلى مخاطبة هذه الدول وتطلب منها التريث لحين الوصول إلى تفاهم مع إثيوبيا بما لا يحلق الضرر بالمصالح المصرية.
هل تتوقع أن تنجح محاولات مصر مع وجود هدف سياسي للدول الممولة؟
هذه المحاولات قد تنجح حينا وقد لا تنجح، هذا يتوقف على التوازنات السياسية وعلى قدرة القيادة المصرية في شرح وجهة نظرها وإقناع هذه الدول خاصة أن مصر دولة مفتاحية في المنطقة.
ولا ننسى أن دولة مثل الصين هدفها الأساسي الوجود الاقتصادي ولا تريد أن تطرح نفسها كقوة منافسة لللولايات المتحدة في النظام الدولي إلى أن يكتمل بناءها الاقتصادي أولاً، وهذا يعني أن المسألة ليست سياسية فحسب.
هل ترى حصص دولتي المصب عادلة أم بها اجحاف لدول المنبع؟
لا اعتقد أن الاستخدامات الحالية للمياه التي تجعل لمصر والسودان حصة أكبر يمثل إجحافاً للدول الأخرى في منابع النهر سواء في إثيوبيا أو المنابع الجنوبية لأنه تَرد إليها كميات الأمطار عشرات أضعاف الكميات التي تجري في مجرى النهر، كما أنها لا تعتمد بالأساس على المياه في مجرى النهر.
المشكلة أن دول المنابع تصر على الحديث عن المياه الزرقاء (مياه مجرى النهر) فقط وتتجاهل الحديث عن المياه الخضراء (الأمطار) التي تقدربـ 1660 مليار متر مكعب من المياه، وتنظر لما يصل من هذه الكمية إلى أسوان خلف السد العالي (84 مليار متر مكعب في السنة) على أنها حصة الأسد وهو غير صحيح، لأننا لو نظرنا إلى هذه الكمية في إجمالي موارد المياه في حوض نهر النيل سنجدها تساوي 5% فقط، غير أن دول المنبع لا تعتمد على المياه في مجرى النيل إلا بنسب تتراوح من 0% إلى 4 % . الحقيقة نحن ليس لدينا أزمة مياه وإنما أزمة إدارة مياه.
ما هي الفرص الاستثمارية في القارة الافريقية وعلى رأسها إثيوبيا؟
منطقة القرن الافريقي تعاني من مشاكل كثيرة، حيث هناك توترات مكتومة وحروب سابقة بين اريتريا وإثيوبيا، والصومال يعاني من غياب الدولة وتدخل إثيوبيا عسكرياً مرتين، بالإضافة إلى أنه هناك أقاليم داخل إثيوبيا تطالب بالاستقلال ومنها إقليم الأوجادين.
وإثيوبيا على الأخص تواجها معوقات فيما يتعلق بالبنية التحتية ومصادر الطاقة وبالتالي تحتاج إلى استثمارات من الخارج تقوم بتمويل عملية التنمية، وهو ما يتطلب وقت طويل وضرورة توفر الأمن.
بالحديث عن ضرورة توافر الأمن، ماذا عن العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية بهذا الشأن؟
بالطبع هناك علاقات إثيوبية إسرائيلية بشأن توفر الأمن، فإسرائيل تسعى لإقامة علاقات مع إفريقيا بشكل عام وبلدان حوض نهر النيل وإثيوبيا بشكل خاص؛ لذلك تركز على تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لإثيوبيا وتقدم لها أسلحة وتدريب على استخدامها وتساعد أيضا في بناء أجهزة الاستخبارات والأمن.
هل هذا يعني وجود استثمارات ضخمة لإسرائيل داخل إثيوبيا؟
لا توجد استثمارات ضخمة ولكن النفوذ الإسرائيلي في إثيوبيا يأتي من الشق الأمني والعسكري، واذا كان هناك وجود استثماري او اقتصادي فهو وجود تقوم به بعض الشركات الإسرائيلية في مجال السياحة والفندقة وغيرها وتأتي بعوائد تمول منها الأنشطة الإسرائيلية الأخرى.
لذا أتصور أن مصر تحتاج إلى إعادة صياغة علاقاتها وتنشطيها مع القارة الإفريقية لكي تستطيع مواجهة الأثر السلبي للوجود الإسرائيلي الذي لم ينمو بهذا الشكل إلا في غياب الدور المصري.
بالنسبة لاتفاقية عنتيبي لإعادة اقتسام مياه النيل والتي وقعت عليها 6 دول من أصل 9 دول، ماذا لو تم التصديق عليها من هذه الدول؟
للأسف التصديق ينقلها إلى حيز التطبيق وهو ما يخلق وضعا صراعيا في حوض النيل لأنه وقتها ستدير هذه المفوضية مياه نهر النيل رغم أن هناك أعضاء أساسيين متشاطئين خارج المفوضية (مصر والسودان والكونغو) لا يوافقون على خطوات تلك الدول.
في ظل تقسيم السودان كيف ترى موقف جنوب السودان من التوقيع على اتفاقية عنتيبي؟
من حق جنوب السودان حاليا أن توقع على الاتفاقية أو تمتنع عن التوقيع بعدما أصبح دولة مستقلة وقبل طلب عضويته في مبادرة حوض النيل، لكن جنوب السودان لم يعلن موقفا صريحا من التوقيع من عدمه حتى الآن، بالنظر إلى إنه هناك أولويات كثيرة لجنوب السودان حيث يسعى للاستقرار والأمن الداخلي.
لكن أعتقد بشكل عام أن جنوب السودان أقرب للتوقيع على هذه الاتفاقية وسيكون ذلك بمثابة إضعاف لموقف مصر والسودان.
تقول أن جنوب السودان أقرب للتوقيع على الاتفاقية، ما السبب في رأيك؟
أولاً توزيع كميات المياه بين مصر والسودان (قبل انفصال جنوبه) منذ عام 1959 كالتالي: 18 ونص مليار للسودان و55 ونص مليار لمصر وعشرة مليار متر مكعب تضيع في البحر من سطح البحيرة بالغ الاتساع، وبالتالي بعد الانفصال إذا أراد جنوب السودان أن يحصل على جزء من هذه الكميات سيكون خصما من حصة السودان.
ولكن جنوب السودان منطقة هطول مطري غزير، فهل فعلاً يحتاج للحصول على كمية أكبر من مياه نهر النيل؟
لا يحتاج جنوب السودان إلى هذه الكمية (18 ونصف مليار) من الأساس لأن مقدار الهطول المطري فيه تصل إلى 540 مليار متر مكعب في السنة وهو يعتمد على الأمطار في الزراعة، وإذا احتاج كمية مياه من مجري النهر ستكون محدودة للغاية.
ما الدور الذي يجب على مصر القيام به من أجل استعادة علاقتها بالقارة الإفريقية؟
نحن ننادي في الفترة الحالية بشراكة استراتيجية بين مصر والسودان تقوم على ساقي الأمن والاقتصاد مما يؤدي إلى خلق تكتل استراتيجي جديد في المنطقة يمتد من الإسكندرية إلى خط 12 شمال الاستواء، وبالتالي سوف يكون لدينا قوة اقتصادية وأمنية واستراتيجية وننشىء محور أو قطب جذب جديد في القارة الافريقية، يكون عاملا إيجابيا للاستقرار والتنمية وليس موجها ضد أي دولة في الجوار، بل يجب أن يكون في صلب تكوينه، ومنفتح على جنوب السودان بشكل أساسي وعلى دول القرن الإفريقي إذا أحبت أن تنضم للكونفيدرالية المصرية السودانية وقتها.
لابد أن تختصر مصر الأمر من خلال البحث عن المصالح المشتركة وليس المجاملات الفارغة من المضمون مع دول القارة الافريقية بدلا من الانزلاق للصراع والعودة للتفاوض مرة أخرى.
news_share_descriptionsubscription_contact
