مصطفى حبوش
صور-مصطفى حسونة
غزة – الأناضول
شكلت قضية "عودة اللاجئين" الهم الأكبر الذي يشغل الفلسطينيين، ساسة ومقاومين ومواطنين عاديين؛ ومرت بمحطات ساخنة، وارتبطت درجة سخونتها بمدى صلابة المفاوض الفلسطيني من عدمه وبحلم إسرائيل في تكوين "الإمبراطورية الإسرائيلية"، وفق خبراء فلسطينيين.
واللاجئون الفلسطينيون هم الأشخاص الذين كانوا يقيمون داخل فلسطين خلال الفترة من أول يونيو/حزيران 1946 حتى 15 مايو/أيار 1948 والذين فقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة حرب 1948، وفق تعريف الأمم المتحدة.
ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها 4.7 مليون لاجئ وفق إحصائية الأمم المتحدة لعام 2010.
ويقول عدنان أبو عامر، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الأمة بغزة، إن "قضية اللاجئين نشأت بعد أن تمكنت الحركة الصهيونية مع نهاية عام 1948 من تشريد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني هم سكان 532 قرية ومدينة فلسطينية، وهو ما مثل أكبر عملية تهجير عرفت في التاريخ الحديث".
وتوزع اللاجئون الفلسطينيون على بقاع مختلفة من أنحاء العالم سواء في مناطق داخل الخط الأخضر (الخط الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967) وما تبقى من الأراضي الفلسطينية عرفت فيما بعد بالضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الأردن وسوريا ولبنان بشكل رئيس وعدد من الدول العربية الأخرى وباقي دول المهجر وأصبح عددهم اليوم أكثر من خمسة ملايين لاجئ منهم 4.7 مليون مسجلين لدى الأمم المتحدة.
إلا أن مسألة اللاجئين لم تتوقف عند حرب 1948 بل استمرت طيلة نصف القرن التالي بسبب سياسات الضغط والقمع والإبعاد؛ حيث اضطرت موجات عديدة منهم للهجرة خارج فلسطين وظهرت تسميات مختلفة لهذه الموجات المهاجرة، علماً بأن بعض المصادر التاريخية ترى أن أصل مشكلة اللاجئين تعود لذلك اليوم الذي قررت فيه بريطانيا تبني إقامة وطن قومي لليهود بفلسطين قبل 1948 بسنوات، كما يقول الخبير أبو عامر.
ويضيف أبو عامر: "لم تكن هجرة الفلسطينيين إلى خارج وطنهم حدثاً عشوائياً وإنما كان مخططًا له مسبقاً من قبل الحركة الصهيونية واتبع اليهود وسائل عديدة من شأنها إرهاب العرب ودفعهم للهجرة إلى خارج وطنهم من خلال المجازر المتعددة ومن ضمنها مجزرة دير ياسين (10 أبريل/ نيسان 1948) التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين".
ويوضح أستاذ العلوم السياسية لمراسل "الأناضول" أن "العصابات اليهودية عملت على حرق وتدمير قرى لم تبد أي مقاومة خلال حرب عام 1948 واستخدمت سياسة الأرض المحروقة والطرد وارتكبت أكثر من 33 مذبحة بحق الفلسطينيين وما يزيد على 532 موقعًا سكني طرد الفلسطينيون منها بينها 420 قرية دمرت بالكامل وتم مسحها عن الوجود تماما".
ويؤكد أنه بحلول عام 1950 "اقتلع" 960 ألف لاجئ من وطنه وفق لتقرير المفوض العام للأمم المتحدة آنذاك.
وبالإضافة إلى "المذابح والجرائم" الإسرائيلية فإن إسرائيل –بحسب أبو عامر- "لفقت" أسطورة فراغ فلسطين من شعبها بهدف التسهيل والتمهيد لمشروعها "الاستيطاني الإجلائي الإحلالي" لذلك اجتهد الفكر الصهيوني في استنباط الخطط والمشاريع الهادفة لإفراغ البلاد الفلسطينية من أهلها الأصليين.
ويتابع أبو عامر أن الإسرائيلييي "راهنوا على عامل الوقت معتقدين أن جيل النكبة الفلسطينية (عام 1948) سيموت فيما سينسى الجيل الذي يليه فلسطين، وبذلك يتسنى لهم الاستقرار في هذا الوطن والانتقال لتنفيذ المرحلة الثانية التي أعلن عنها أول رئيس وزراء لإسرائيل، دافيد بن غوريون، عشية إعلان الدولة الإسرائيلية بأنها إمبراطورية إسرائيلية".
وبعد قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948 بني الموقف الإسرائيلي الرسمي على أساس رفض عودة اللاجئين؛ بحجة عدم تهديد الصبغة اليهودية للدولة ؛والرغبة في المحافظة على نقائها العرقي انطلاقاً من مبادئ أيدولوجية مصبوغة صبغة دينية.
ووفقاً للخبير السياسي، فقد كرست جميع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في سياستها المتبعة تجاه اللاجئين اشتراط تخلي الفلسطينيين عن حقهم بالعودة إذا أرادوا التوصل إلى تسوية سياسية معها.
ويقول أبو عامر إن "إسرائيل عملت على خلق حقائق تعمل على استحالة عودتهم، وهي تدمير أكبر عدد ممكن من القرى العربية بعمليات عسكرية، ومنع العرب من العمل في أراضيهم المهجورة بما في ذلك الزراعة والحصاد، والحيلولة دون قيام فراغ يجعل اليهود يستوطنون في المدن والقرى العربية المهجورة، وإصدار قوانين تمنع عودتهم والنهوض بحملة دعائية تمنع عودتهم".
وحاولت إسرائيل "التنصل" من حق عودة اللاجئين والقرارات الدولية الملزمة بذلك من خلال ترويج عدة "إدعاءات" تتعلق بتهجير الفلسطينيين أبرزها أنهم خرجوا من ديارهم استجابة لنداءات وأوامر القادة العرب لإبعادهم عن ساحات القتال، وأن أجهزة الإعلام العربية عملت خلال حرب عام 1948 عبر المبالغات في وصف الأعمال العسكرية الصهيونية مما أدى لنشر حالة من الرعب بين العرب ما دفعهم للهروب من قراهم.
وأصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات تتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين أبرزها القرار 194 الصادر في تاريخ 11/12/1948 والذي نص على عودة اللاجئين وتعويضهم عن الخسارة والضرر الذي أصابهم، والقرار 393 الصادر عام 1950 وجاء فيه أن مجلس الأمن يقرر أنه يجب السماح للمدنيين العرب الذين أجلوا عن المنطقة المنزوعة السلاح من قبل إسرائيل بالعودة حالا لديارهم.
ومن ضمن القرارات الأممية أيضا القرار 237 الصادر عام 1967 الذي دعا لتسهيل عودة السكان الذين فروا من المناطق بداية الأعمال الحربية، والقرار يطالب إسرائيل بإعادة اللاجئين، والقرار 242 الصادر عام 1967 ويطالب المجلس بتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين ويوفر إطاراً أوسع لحلها يضم جميع الذين شردوا عام 1948.
بالإضافة للقرارات السابقة كان القرار رقم 2535 الصادر عام 1969 الذي ذكر أن الجمعية العامة تقرر أن مشكلة اللاجئين العرب نشأت عن إنكار حقوقهم السابقة وهي تعود لتؤكد الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، والقرار 3236 عام 1974 الذي يعتبر ذو أهمية؛ لأنه يعطي فكرة عما سبقه ولحقه من قرارات ويتحدث بشكل شبه شامل عن الحقوق الفلسطينية.
وجاء فيه: حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ودون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين، وحق الفلسطينيين غير قابل للتصرف في العودة لديارهم وممتلكاتهم التي شردوا واقتلعوا منها.
ويقول الخبير في الشئون الإسرائيلية أبو عامر إن "إسرائيل وضعت المصاعب في طريق تطبيق القرارات المتعلقة بالعودة والتعويض، وذلك ينبع لسببن أولهما وقوفها بكل قواها لمنع تطبيق القرار لأسباب تدعي أنها أمنية وديموغرافية، وثانيهما ثقتها بأن الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة التي يمكن أن تمارس ضغطا عليها لا ترفض فقط النظر في القيام بهذا الضغط بل تتبنى فكرة عدم الخوض أصلا في موضوع العودة".
وعلى صعيد المفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل فإن حق "عودة اللاجئين" لم يأخذ حيزاً كافياً من النقاش؛ فبعد توقيع اتفاقية أسلو وفي المفاوضات عام 1993 اتضح أن مسألة اللاجئين كانت ضمن المسائل التي تم تأجيلها لمفاوضات الحل النهائي ولم يتم الحديث عنها، بحسب أبو عامر.
ومن جانبه يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة، هاني البسوس، إن "عودة اللاجئين تم تأجيل الحديث عنها إلى السنة الثالثة من اتفاقية الحكم الذاتي (اتفاقية أوسلو التي على أساسها تم تأسيس السلطة الفلسطينية) حيث كان من المفترض أن تبدأ مفاوضات الحل النهائي وتنتهي بعد خمس سنوات، وكانت تشتمل على مسائل القدس واللاجئين والمياه والحدود والأمن".
ويضيف البسوس لمراسل "الأناضول" "في مفاوضات الحل النهائي تم تأجيل مسألة اللاجئين أيضاً إلى المرحلة النهائية وحتى هذه اللحظة لم يتم التعاطي مع هذه المسألة بشكل جدي".
ويشير إلى أن قضية اللاجئين الفلسطينيين طرحت في مفاوضات قمة كامب ديفيد عام 2000 التي شارك فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإٍسرائيلي في ذلك الوقت إيهود باراك، لكن هذه القمة لم ينتج عنها عمليا أي اتفاق وشكلت قضية اللاجئين بالإضافة لقضية القدس العقبة الرئيسية آنذاك.
ويوضح أن إسرائيل عرضت في مفاوضات كامب ديفيد إمكانية استيعاب 100 ألف لاجئ فلسطيني فقط، لكن لم يتم هذا الأمر على الرغم من وجود مؤشرات تؤكد أن قيادة السلطة الفلسطينية قبلت بهذا العرض.
ويقول البسوس إن "السلطة الفلسطينية في مفاوضاتها لم تولِ موضوع اللاجئين أهمية كبيرة، بل كان التركيز بشكل واضح على الأحداث اليومية والمواضيع السياسية اليومية والخدمات العامة والأمن، ولم يتم الحديث بشكل جدي عن موضوع اللاجئين".
ويبين أنه كان هناك إمكانية لدى السلطة الفلسطينية لاتخاذ خطوات عملية تجاه المؤسسات الدولية تجبر إسرائيل على إعادة اللاجئين إلى ديارهم، فقد أصدرت الأمم المتحدة العديد من القرارات التي تعطي اللاجئين الحق في العودة.
ويلفت إلى أن معظم الدول العربية تتعاطى مع اللاجئين على أنهم لاجئين، ولم تعطهم الإقامة الدائمة أو الجنسية لاعتقادها بإمكانية عودتهم إلى فلسطين، مشيراً إلى أن الدول العربية تعاملت مع قضية اللاجئين على أنها إنسانية وليست سياسية.
ويتوقع الخبير السياسي أن الفصائل الفلسطينية كلها تؤكد على أن حق العودة واجب وملتصق باللاجئ الفلسطيني ولا يجوز لأحد أن يتنازل عنه.
ويستبعد البسوس أن تقبل إسرائيل بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948، محذراً من أن إسرائيل تحاول التنصل من حق العودة من خلال إصرارها على اعتراف الفلسطينيين والعرب والعالم بيهودية الدولة الإسرائيلية ما يعني عدم أحقية غير اليهود في الإقامة فيها.
ويؤكد البسوس أن قضية اللاجئين الفلسطينيين ستبقى معلقة حتى "زوال" إسرائيل لأن السماح بعودة اللاجئين من وجهة النظر الإسرائيلية ليس منطقيا، ولن تقبل به مطلقاً؛ فهو يشكل خطراً على مستقبلها.
ويعيش اللاجئون الفلسطينيون في 60 مخيماً رسمياً منها 10 في الأردن و12 في لبنان و10 في سوريا و20 في الضفة الغربية و 8 في قطاع غزة، بالإضافة لتواجد عدد منهم في الدول العربية والأوروبية.
ويعاني اللاجئون من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية داخل مخيماتهم، وتقوم على توفير فرص العمل والإغاثة لهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" التابعة لهيئة الأمم المتحدة.
و"الأونروا" تأسست بموجب قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 1949، ولها مقران رئيسيان في فيينا وعمَّان.
وتعمل على تقديم الدعم والحماية وكسب التأييد لحوالي 4,7 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لديها في الأردن ولبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن يتم إيجاد حل لمعاناتهم. ويتم تمويل أونروا بالكامل تقريبًا من خلال التبرعات الطوعية التي تقدمها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
news_share_descriptionsubscription_contact
