ياسر البنا
غزة-الأناضول:
الهدوء يسود المكان، فلا تسمع مَنْ ينادي ولا مَنْ يجيب.. زخارف ونقوش ومطرزات تملأ الموقع، والمتأمل فيها يدرك أنها مصنوعة بأيد ماهرة ومحترفة.. فهنا مرايا سيّجت بإطارات خشبية رائعة، نقشت بأشكال متعددة، وهناك قطع "ديكور" صغيرة، تضفي عليها الإنارة الباهتة سحرًا وأناقة.
إنه معرض للتحف الخشبية بغزة، صناعها من الصمّ وذوي الاحتياجات الخاصة، دفعتهم العزيمة والإرادة إلى بلوغ الحلم، مجتازين كل العقبات والتحديات.
معرض المستقبل للأشغال اليدوية، هو أول معرض للصم بالقطاع، والذي أسسته جمعية "المستقبل للصم الكبار"، في الأول من أبريل/نيسان لعام 2011، ويستمر حتى الآن.
ولا يرى "الأصم" محمد الطويل (28سنة)، مسئول العاملين بالجمعية، أن الصم "يعانون من أي نقص، بل إنهم يتمتعون بالعديد من الميزات التي تمكنهم من بلوغ هدفهم، لأنهم يمتلكون بداخلهم إرادة عالية لا يمتلكها آخرون".
وقال لوكالة"الأناضول" للأنباء على لسان مترجم الإشارة:"الصُم هنا، عائلة واحدة جمعتهم أهداف واحدة، فهم يتعلمون فنونًا وحرفًا يعجز الكثيرون عن إتقانها، من خلال عقد الدورات العملية التي تمكنهم من تطوير وتنمية قدراتهم، فالأصم يمتلك الموهبة، ولكن يجب تعزيزها من خلال تلك الجمعيات الراعية".
وأردف "الكثير من الإداريين داخل الجمعية يطلبون مساعدتي في الإدارة، والمحاسبة، وكافة المجالات المتعلقة بالجمعية، فلم تحجب إعاقتي إبداعي الفكري وتواصلي مع الآخرين".
أما زوجته، منيرة الطويل (21سنة) (وهي صمّاء أيضا) وتعمل مسئولة قسم التطريز في المعرض، فقالت: "هوايتي دفعتني لتعلم مهنة التطريز، وعندما كان عمري 13سنة، بدأت بتطبيق موهبتي فعليًا من خلال الاشتراك بدورات فن التطريز".
وأضافت الطويل لـ"الأناضول": "بعد إتقاني للتطريز طلبت الاشتراك بدورات تدريبية في جمعية المستقبل، فأنجزت الكثير من المطرزات، والمشغولات اليدوية، فأصبحت متقنة تمامًا لعملي، وأشرفت على تعليم 20 من الفتيات الصم".
مسئول قسم النجارة في معرض المستقبل عبد اللطيف أبو هين(28سنة)، وهو أصم أيضا، دفعته موهبته لأن يصبح نجارًا محترفًا، ومتخصصًا بالنقش والحفر اليدوي الدقيق على الأخشاب.
قال أبو هين لـ"الأناضول": "أمتلك الموهبة التي تمكنني من التغلب على كل الظروف المعيشية، فمنذ صغري أحب مشاهدة كل ما هو جميل من الزخارف على الخشب".
وأضاف: "درست في مدرسة "أطفالنا للصم" حتى الصف الخامس الابتدائي، ثم أكملت تعليمي في مدرسة صادق الرافعي للصم، وكنت أتمنى أن أكمل تعليمي في المرحلة الجامعية".
وقد تم افتتاح مدرسة صادق الرافعي الثانوية في 22يونيو/حزيران 2011 الماضي، وهي أول مدرسة ثانوية للصم بالقطاع.
وذكر أبو هين أن معرض المستقبل لاقى إقبالاً كبيرًا من قبل المجتمع الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الكثير من الناس تشكك بأن العمل يعد آليًا وليس يدويًا، نظرا لدقة الأعمال وجمالها.
وتمنى أبوهين افتتاح معرض خاص به لتشغيل أكبر عدد من الصم لتنمية مواهبهم وتفعيل دورهم في المجتمع الفلسطيني.
بدوره، أوضح عدنان عطا الله، المسئول في الجمعية، أن عددًا من الصم يعتبرون أنفسهم أفضل بكثير من غيرهم، كونهم الأكثر تفاعلاً مع مجتمعاتهم.
وقال لـ"الأناضول": "الصمم ليس بحد ذاته المشكلة، فكثير من الأشخاص الأسوياء يفتقدون الإبداع والموهبة والقدرة على بلوغ الأهداف".
يب/صغ