إسطنبول – الأناضول
محمد شيخ يوسف
حذر المتحدث باسم هيئة العلماء المسلمين في العراق، الدكتور محمد بشار الفيضي، "من وجود مشاريع تسعى إلى حرف مسار الثورة في العراق باتجاه الطائفية، بغرض قتلها مع أهدافها"، في وقت نفى فيه الأنباء التي تتحدث عن تشكّل جيش عراقي حر، على غرار سوريا.
ولفت الفيضي، في حديث مع مراسل الأناضول في إسطنبول، إلى أن هذه المشاريع "تسعى إلى جر الثورة للعنف المسلح، الأمر الذي سيلحق بالثورة ضررا كبيرا"، مستدركا "أن الشعب العراقي لديه القدرة على مقاومة ذلك، والإبقاء على المشروع الوطني الواحد لثورته".
وأكد أن الهيئة ربما هي الجهة الأولى، التي دعت الشعب العراقي، إلى ممارسة ما يملك من وسائل، للحصول على حقوقه منذ عام 2010، مشيرا إلى أن الشعب لم يكن يملك سوى قوته الذاتيه، من التظاهرات السلمية والعصيان، والاعتصامات للقيام به.
وأضاف أنه منذ ذلك العام، عملت الهيئة بوسائلها الإعلامية وغيرها، من أجل "حشد طاقات الشعب، لتثمر الجهود عن بوادر ثورة انطلقت في عام 2011، حيث شهدت تظاهرات كبيرة في 16 محافظة، من أصل 18، لكنها قمعت بقوة السلاح، إلا أن الهيئة كانت تقول بأن الثورة لم تنتهي، بل هي كالجمرة الرابضة تحت الرماد، وهذا ما أثبته الواقع، لتنطلق ثورة منذ اكثر من شهرين، وهي في طريقها إلى التنامي".
وكشف الفيضي، أن "الظلم الواقع على العراقيين جميعا، هو المحرك الأساسي للاحتجاجات، من شمال البلاد إلى جنوبها، الظلم المتمثل بالقتل العشوائي، والاعدامات القضائية وغير القضائية، فضلا عن الظلم الذي طال أموال العراقيين، حيث بددت اموال الشعب من المليارات بأمور لا جدوى منها، إضافة إلى الظلم الذي منع العراقيين، من التمتع بأبسط مقومات الحياة من كهرباء، ومياه صالحة للشرب، ومستشفيات، هي دوافع أساسية للثورة".
وأوضح أنه يضاف إلى ذلك أن "الحكومة هي صنيعة احتلال، وهو أمر كامن في مضامين الشعب، لذا الثورة ومطالبها تتلخص في الحالتين، أي باسترداد الأموال المنهوبة، وتوفير الخدمات، واسقاط العملية السياسية، والإطاحة بحكومة نوري المالكي، وإطلاق المعتقلين والمعتقلات، وايقاف المحاكمات التعسفية، والغاء الدستور، وهي مطالب رئيسية، وأخرى ثانوية تصب جميعها في خانة الثورة".
وبين أن "الثورة ستستمر فما دامت النار تحت القدر، فلن يكف عن الغليان، وبالتالي الثورة ستستمر، حتى لو قدر لها التوقف لمدة بسبب القمع الذي قد يمارسه المالكي، فانها ستعود إلى اهدافها، ما دام الظلم قائما، وما دامت تلك الحكومة قائمة على الحكم، فلن تجد نورا في نهاية النفق"، مؤكدا أن "الشعب سيستمر بثورته، وقد تتوقف، وعندها ينتظر أن تقوم ثورة ثالثة أكثر حماسة، حتى تبلغ اهدافها".
ووصف الفيضي رئيس الحكومة المالكي بأنه "مراوغ ويعرفه الشعب العراقي جيدا"، حيث إنه "اطلق مشاريع للمصالحة، بلغت مبادراته بهذا الصدد، أكثر من 17 مبادرة، باءت جميعها بالفشل، فالشعب العراقي يعرف جيدا أن المالكي لن يفعل له شيء، وهو لا يمتلك القناعة، ليقدم شيئا بالأصل، لأنه رجل طائفي بامتياز، على حد وصفه، وهو رجل ليس سويا، إضافة إلى أنه لو أراد ان يقدم شيئا، فلن يستطيع ذلك، لأن النظام كله فاسد، والشعب ليس ساذجا، بل يطالب بتغيير النظام واقتلاع جميع رموزه، الذين اصبحوا عالة على الشعب العراقي، وعالة على طريقه من أجل السلام".
وأشار إلى أن المحافظات الجنوبية "كانت لها مشاركة كبيرة في الثورة الأولى عام 2011، إلا أنها حتى الآن لم تنخرط في المسار الثوري الحالي"، لافتا إلى وجود "طموح من أجل ان تنخرط هذه المحافظات في الحراك، لأنها ثورة غير طائفية أو قومية، بل هي شاملة من الشمال إلى الجنوب" على حد تعبيره.
وشدد على أن الشعب العراقي "قادر على أن يزحف بشكل سلمي لوحده، ويمسح الحكومة، كما فعل في المرحلة الأولى، حيث وصل إلى المنطقة الخضراء، معقل الحكومة"، مشيرا إلى أنه "لو وصل زحف شعبي كبير إلى المنطقة، فستتبخر الحكومة خلال ساعات قليلة".
وعن موقف الهيئة من رئيس التيار الصدري "مقتدى الصدر"، أوضح أن الهيئة تعاملت مع الصدر في زمن الاحتلال، وساندته عندما قرر المقاومة لفترة محدودة، مضيفا أن أي مبادرة من قبله، من أجل لم الشمل، الهيئة معها وتباركها.
واستدرك قائلا، "إن المشكلة مع الصدر هي أنه غير واضح في مواقفه، فيتخذ الموقف، وبعد أيام يتخذ نقيضه، وأيضا رؤاه حول الأحداث العربية متناقضة، فالهيئة تفاجأت بموقفه المساند للنظام في سوريا، مع أن الشعب هناك يقصف بالطائرات، ويقتل براجمات الصواريخ، وبصواريخ أرض أرض"، مؤكدا أن أي مبادرة من السيد مقتدى أو غيره باتجاه وحدة الصف تقبلها الهيئة.
وعن تعاطف المتظاهرين مع الجيش السوري الحر، أوضح أن الشعب العراقي متفاعل مع الشعب السوري بشكل فطري، لأنهما شعبان بينهما حدود مصطنعة، مبينا أن الشعب العراقي يعتصر قلبه دما لما يحدث في سوريا، وبالتالي ليس مفاجئا أن تظهر هتافات تمجد الجيش الحر في المظاهرات، لأنه يدافع عن شعبه.
ونفى "الفيضي" الأنباء التي تتحدث عن تشكل جيش عراقي حر، معتبرا أنها أنباء غير صحيحة، لأن "ظروف العراق مختلفة، فسوريا قامت الثورة فيها فجأة، واحتاجت إلى تنظيمات لحماية الشعب، أما العراق خاض احتلالا، ولديه تنظيمات قاومت المحتل" كما وصف ذلك، مضيفا أن "فصائل المقاومة لا تزال تنظيماتها قائمة، لذا فهي جاهزة، إن اقتضى الحال، أن تدافع عن الشعب، وتمارس دور الجيش الحر في العراق".
وامتدح "الفيضي" الجيش العراقي القديم، الذي لديه تنظيمات لاتزال قائمة، بضباطها وبمراتبها العديدة، مؤكدا أنه "جاهز للدفاع عن الشعب، في وقت امتدح فيه الجيش القديم لأنه جيش وطني، ليس طائفيا ولم يتشكل على أسس طائفية أو عرقية، وفيه ضباط أكفياء من السنة والشيعة والأكراد والمسيحيين، وحتى من اليزيديين"، مشددا على أن "المستقبل بدونه لن يكون ناجحا".
وزعم أن "الجيش العراقي يكسب تعاطفا شعبيا بشكل كبير، ورغم أن كثيرا من ضباطه منخرطين في فصائل مقاومة عراقية، إلا ان العراقيون يعولون عليهم كخيار مستقبلي في هذه الأحداث، أو غيرها"، متمنيا أن لا تنحرف الثورة إلى العنف، بشكل لا تحتاج إلى تيار عسكري يقود الشعب.
التدخل الإيراني في العراق
أما عن التدخل الإيراني في العراق، فقد اعتبر "الفيضي" أنه "ليس جديدا، وبدأ مع الاحتلال الأميركي، وكان التنسيق واضحا بين ايران واميركا اثناء الاحتلال"، مضيفا أن الهيئة قالت في وقت مبكر، عبر وسائل الإعلام، "أن ضباطا ايرانين، يحققون مع ابناء المقاومة العراقية في المعسكرات الأميركية، وهذا يظهر حجم التعاون بينهما".
وتابع قائلا، "إن ايران دعمت العملية السياسية في ظل الاحتلال من البداية، وجاءت بسياسييها، وقذفت بهم إلى حضن المحتل لتشكيل حكومات، وقذفت بالمليشيات التي انشأتها على أرضها ومولتها بمالها، ليشكل منها الأميركيون أجهزة والجيش والشرطة، وهذا لم يعد سرا، فالايرانيون يعتبرون أن نفوذهم في العراق اصبح اقوى من النفوذ الاميركي، وقد صرح بذلك قادة إيرانيون" على حد تعبيره.
وأوضح أن "مشكلة العراق الكبرى الآن اصبحت هي إيران، لأنها متدخلة بالشأن العراقي حتى النخاع، وهذا ما قالته الهيئة منذ عام 2006"، متسائلا "كيف اصبحت الأحوال الآن في عام 2013"، واصفا إيران بـ" الجار السيئ، فالمعلوم أن الجار يساعد جاره الآخر، غير ان إيران فعلت العكس، ورمت العراقيين بالحجارة، وانهالت عليهم بالتراب".
واعتبر ان "إيران لا تخطط للعراق فقط، لأن مشروعها قومي، وتبحث عن القطبية في المنطقة، وتريد أن يكون لها نفوذا في كل المناطق، لذا سعت لاحتواء سوريا، وتعمل لفرض هيمنتها على لبنان، والعراق من أهدافها الأولى"، معربا عن أسفه لأن واشنطن أعطت لايران هذه الفرصة الذهبية.
ولفت إلى أن "العراق هي النقطة الفصل، لأن نصر الثوار في سوريا، سيضعف من نفوذ إيران في المنطقة، إلا أن النهاية ستكون في العراق، واذا انتهى بها نفوذها، فسينتهي في العالم أجمع، فالعراق إما أن تكون بوابتها إلى العالم، أو مقبرتها فيها".
ورفض "الفيضي" اعتبار وجود مكونات عراقية تعمل مع إيران، مضيفا أنه "معظم شيعة العراق تكره إيران، لأن الأخيرة تحتقرهم، فمشروعها قومي وليس ديني، تتخذ من الشيعة غطاء لتنفيذ مشروعها"، مؤكدا أن "الشيعة في العراق اكتشفت ذلك، بعد تعاونهم مع إيران عقب الاحتلال، فإيران تتعالى عليهم، وتحتقر شيعة العراق لأنهم عرب".
وأرجع نفوذ إيران في العراق إلى "طبقة سياسية ميلشيوية من المكون الشيعي، تؤيد المالكي، الوجه الذي يمثل إيران"، مدعيا أن "أكثر من 80% من شيعة العراق، يكرهون إيران والمالكي"، ومؤكدا ان الهيئة تعول على الشيعة من أجل التحرير، كما تعول على الأكراد في ذلك، لأن المشروع العراقي واحد، وهي ذات أهداف مشتركة، كما أكد أن نفوذ إيران في جنوب العراق له أسبابه التاريخية، وحاولت أن تستثمره بعد الاحتلال، حيث إنها نجحت بذلك في السنين الأولى، قبل أن يتوضح كل شيء للعراقيين.
الملف السوري
وعن الملف السوري أفاد "الفيضي" أنه عندما يقوم الحاكم بضرب شعبه بالطائرات المجهزة للدفاع عنه ضد الاعداء، فإنه يفقد شرعيته بشكل مباشر، فلا يمكن لنظام يفعل ذلك أن يستمر في الحكم، مبينا أن الملف السوري أصبح مسرحا للصراع الدولي، وتدخلت فيه اجندات دول كبرى أخرى، وإلا فإن الصراع فيه محسوم لصالح الشعب.
واعتبر الوضع في سوريا بأنها "الورقة التي يلعب بها الكبار، ويدفع ثمنها الشعب السوري"، مستدركا بأن المسألة مسألة وقت، فالنظام إلى زوال حتما، ولكن المؤلم هو كثرة التضحيات التي يبذلها الشعب، دون أن يستحق ذلك، لأن النظام كان عليه أن يرحل مبكرا.
وكشف أن تدخلات النظام العراقي في الشان السوري واضحة، حيث إن هناك تقارير تفيد بوصول سيارات وشاحنات محملة بالوقود والأسلحة إلى النظام، وهناك سيارات استهدفت من قبل فصائل المقاومة، وكشف من بداخلها، فضلا عن قيام الطيران بشكل شبه يومي بالهبوط في مطار النجف، والانتقال منه إلى سوريا، وشخُّص دوليا على أنه يحمل السلاح، معتبرا أن المالكي وايران والنظام السوري يعملون كجبهة واحدة.
news_share_descriptionsubscription_contact
