بولا أسطيح
بيروت ـ الأناضول
لم تنجح العاصمة اللبنانية بيروت وبعد 23 عامًا على انتهاء الحرب الأهلية في لملمة كل ما خلَّفته المعارك الدامية التي عصفت بالبلاد لمدة بلغت نحو 15 عامًا.
وانطلقت شرارة هذه الحرب في مثل هذا اليوم (13 أبريل/ نيسان) من عام 1975، عقب استهداف حافلة مدنية، عُرفت بـ"بوسطة عين الرمانة" تقلّ مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين إثر مرورها في منطقة عين الرمانة (منطقة مسيحية واقعة في ضاحية بيروت الجنوبية)؛ ما أدى إلى مقتل 27 شخصاً منهم.
وبعد مرور أكثر من عقدين على انتهاء هذه الحرب في عام 1990؛ فإن الأبنية الواقعة على "خطوط التماس" - التي كانت تفصل ما بين المناطق المسيحية والمسلمة أثناء الحرب - لا تزال صامدة مع كل تشوهاتها؛ لتبقى شاهدة على كمّ العنف والرصاص والذخائر التي نهشت ملامح بيروت التاريخية.
وبحسب جولة أجرتها مراسلة الأناضول في بيروت، لا زالت آثار الآلاف من الطلقات والذخائر بادية على كثير من المباني التاريخية الكائنة في الشوارع التي كانت خطوط تماس في الماضي القريب، رغم محاولات المدينة نفض غبار المعارك وارتداء حلل جديدة.
فقد افتتح العشرات من أهالي منطقة السوديكو في وسط العاصمة بيروت - التي كانت أحد خطوط التماس الرئيسية - عددًا كبيرًا من المقاهي والمطاعم في السنوات الـ10 الأخيرة، والتي تشهد إقبالاً كبيرًا اليوم من كل اللبنانيين على اختلاف طوائفهم.
يقف ناصر حمود (40 عامًا - موظف بنك) بانتظار أن يأتي دوره للحصول على وجبته من مطعم "صهيون" للفلافل، وهو يتأمل المبنى الضخم المقابل المصاب بآلاف الطلقات النارية وبكمّ من القذائف.
ولدى سؤال مراسلة الأناضول عما يتذكره من هذه المنطقة خلال الحرب، يقول: "هنا كان خط تماس أساسي يفصل ما بين المناطق المسيحية والمناطق المسلمة، وكم من المؤسف أن نكون نتحدث اليوم بهذا المنطق الطائفي المخزي الذي أراده لنا زعماء الطوائف".
ويضيف مستدركًا بنبرة يسيطر عليها الحزن والأسى: "الشعب اللبناني لم يكن يومًا يكنّ الحقد لبعضه البعض، وما كان يريد أن تحصل الحرب التي حصلت".
وفي أحد الشوارع الجانبية في المنطقة عينها (منطقة السوديكو) يروي أنس ياسين (46 عاما- موظف في احدى شركات البناء) كيف كان المسلحون المتقاتلون المتمركزون عند خط التماس وعلى الجبهتين يتبادلون الوقود والخبز والمواد الغذائية الأخرى في أجواء أخوية، معتبرًا أن "الحرب لم تكن يومًا بقرار من اللبنانيين أنفسهم بل كانت حرب مصالح دولية"، على حد قوله.
وهو ما يؤكده أبو عمر (60 عامًا) صاحب مقهى "العلمانية" الذي أصرّ على تعليق لافتات تندد بالحرب الأهلية، وتحذر من عودتها على واجهة المحل الذي يملكه.
وحول ذكرياته عن تلك الفترة، يقول لمراسلة الأناضول: "كنّا جيرانًا وأحباء، وقعت الاشتباكات واندلعت الحرب من دون أن نعي لماذا حدث ذلك؟!".
ويضيف: "الشعب اللبناني بطبيعته مسالم ويكره الحرب التي فُرضت عليه".
ويتخوف أبو عمر حاليًا مما أسماه "رياحًا خارجية تسعى لتقسيم المنطقة برمتها"، مشددًا على "وجوب تفادي أي حرب مقبلة".
وتبقى لوسيم دياب (66 عاما- صاحب محل تصليح سيارات) روايته الخاصة عن الأحداث باعتباره كان يقطن المنطقة في زمن الحرب، لافتًا إلى أنّه لم يكن في زمن الحرب الأهلية إمكانية للوصول للمنطقة التي يقف فيها بالوقت الحالي؛ لأنّها كانت تشكل الصفوف الأمامية بما كان يُعرف بـ"خط التماس".
ويضيف: "بالأمس وحتى اليوم لا إشكال بين اللبنانيين على الأرض مهما كانت طوائفهم وانتماءاتهم، لكن المطلوب من الزعماء الكبار أن يستكينوا كي يبقى الاستقرار سيد الموقف".
أما منطقة الفنادق الفخمة الواقعة في وسط العاصمة وعلى خليج "السان جورج" فأوشكت على طي صفحة الماضي بشكل نهائي بعدما تمت إعادة ترميم القسم الأكبر من المباني الضخمة هناك.
ومن بين المباني التي تم ترميمها خلال السنوات الأخيرة: فندق فينيسيا الذي طاله الدمار خلال الحرب الأهلية، وبصفة خاصة أثناء الفترة التي عُرفت بـ"حرب الفنادق" وهي الحرب التي اشتعلت في 24 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1975 واستمرت لمدة سنة واحدة؛ ودارت خلالها اشتباكات ضارية وعنيفة ألحقت دمارًا بالكثير من الفنادق.