نور أبو عيشة
غزة - الأناضول
بات "بحر غزة" الذي يفترض أن يكون المتنفس الوحيد لقطاع غزة، يمثل حصارًا من نوع جديد على القطاع غير الحصار المفروض عليه منذ نحو 7 أعوام لا سيما بعد أن حذّرت مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين (مؤسسة أهلية غير حكومية) من الإصابة بأمراض جلدية ومعوية وأمراض العيون عند السباحة في مياه البحر "الملوثة".
وبعد أن كان البحر المكان الأفضل للاستجمام أمام الغزيين أضحى مجرد الاقتراب من معظم مناطقه يمثل "خطراً" محدقاً بهم، حتى في ظل اختفاء الزوارق الحربية الإسرائيلية، بحسب سكان بالقطاع.
وقال رئيس مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين رياض جنينة، في تصريحٍ صحفي نشرته مؤخرا وسائل إعلام فلسطينية، "إن كافة التقارير المحلية والدولية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في غزة تؤكد تلوث مياه بحر غزة بمختلف أنواع الملوثات التي تسبب الإصابة بأمراض جلدية ومعوية وأمراض العيون".
وأوضح جنينة أن مشكلة تلوث مياه بحر غزة تعود إلى عدم "معالجة" المياه العادمة وفق المعايير البيئية "الصحيحة"، متهماً وزارة الصحة بحكومة غزة بعدم قيامها بدورها في أخذ وجمع العينات من مياه البحر وإجراء الفحوصات المخبرية وتوعية المواطنين بالأماكن غير الصالحة للسباحة.
وفي السياق ذاته، قالت وزارة الصحة بالحكومة المقالة "إن الطواقم الفنية في قسم مراقبة المياه التابع لدائرة صحة البيئة، تجري مسحاً شاملاً لشواطئ قطاع غزة سنويًا"، من أقصى شمال قطاع غزة وحتى جنوبه، بمشاركة الطواقم العاملة في سلطة جودة البيئة.
وذكرت الوزارة، في بيان صحفي وصل مراسلة الأناضول نسخة منه، أن الطواقم الفنية تبدأ بأخذ العينات ابتداءً من شهر أبريل/نيسان وحتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، وبناء على نتائج التفتيش والفحص المخبري خلال هذا العام والأعوام السابق.
وصنفت وزارة الصحة بعض المناطق بـ"الشاطئ الخطر" من الناحية الصحية مع تفاوت في درجة الخطورة من حيث القرب أو البعد عن مصبات المياه العادمة ودرجة معالجاتها، إضافة إلى تحديد بعض الأماكن بعدم صلاحيتها للسباحة بناء على النتائج.
لكن الوزارة استدركت بالقول: "ليس هذا هو الحل الأفضل، لكنه في ظل الإمكانات وظروف الحصار يخفف من الخطر الصحي الذي يهدد المواطنين بدرجة مقبولة"، مشيرةً إلى وضع مسودة معايير للمياه العادمة، صدرت عن سلطة جودة البيئة بمشاركة الوزارة.
وأكملت: "على الرغم من بذل العديد من البلديات جهودًا كبيرة لوقف هذا التصريف (المياه العادمة) خاصة في موسم الاصطياف إلا أن الإمكانيات المتاحة غير كافية وخاصة من ناحية التمويل للمشاريع الخاصة بالمياه العادمة إضافة إلى الانقطاع المتكرر للكهرباء وعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل محطات الضخ ومحطات المعالجة".
وأهابت وزارة الصحة بوسائل الإعلام بضرورة توخي الدقة في نشر الأخبار والتصريحات التي تتحدث في هذا الموضوع ومراجعة الجهات الحكومية المختصة حرصًا على المصلحة العامة وعدم إثارة الشائعات والتشكيك في الجهود التي تبذل للحفاظ على صحة المواطن.
ومن جانبٍ آخر، قال القائم بأعمال مدير عام الإدارة العامة لحماية البيئة في سلطة جودة البيئة في غزة، بهاء الأغا، لمراسل وكالة "الأناضول" للأنباء، "إن التلوث العالي لمياه البحر من شأنه أن يتسبب بأمراض خطيرة لا سيما الجلدية منها وأمراض الجهاز السمعي، نتيجة دخول البكتيريا إليه".
وأوضح الأغا أن سلطة جودة البيئة بالتعاون مع وزارة الصحة فحصت عينات من المياه أخذت من جميع مناطق الساحل، مشيراً إلى أن نتيجة التحليل "النهائية" ستصدر الأسبوع المقبل.
وأضاف: "بعد انتهاء نتيجة التحليل هذه سنطرح مناقشة لوضع مياه البحر، وكيفية التخفيف من التلوث وآثاره، كما أننا بصدد إجراء فحوصات جديدة في الشهر المقبل، قبيل بدء موسم السباحة، للحفاظ على صحة المستجمين وتوفير الراحة النفسية لهم للسباحة بأمان".
وأشار إلى أن السبب الرئيسي لتلوث مياه البحر يعود إلى مياه الصرف الصحي غير المعالجة مطلقاً، والمياه المعالجة جزئياً.
وعن المياه الملوثة جزئياً، قال الأغا "إن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الموجودة في كل من محافظات غزة وخانيونس ورفح تتوقف جزئياً عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي، ونقص امدادات الوقود؛ مما يؤدي إلى ضخ كميات من المياه غير المعالجة –مياه الصرف الصحي الخام- إلى بحر غزة".
وأكمل: "أما بالنسبة للمحافظة الوسطى بقطاع غزة، فإن محطة معالجة المياه العادمة قيد الإنشاء، ويتوقع بدء العمل بها في أغسطس/آب القادم، بحيث ستحل هذه المحطة مشكلة النسبة الأكبر من المياه العادمة غير المعالجة والتي تضخ في بحر غزة، وتلوّثه".
وقال الأغا: "إن حل هذه المشكلة بالكامل يتطلب استثمارات كبيرة جداً في مجال معالجة مياه الصرف الصحي، من حيث إنشاء البنية التحتية السليمة للمعالجة، كما يتطلب إنشاء محطات المعالجة المركزية التي لا تزال إسرائيل تُعيق إنشاءها".
وأشار الأغا إلى أن سلطة جودة البيئة تسجل سنوياً نسبة تصل إلى (80-90)% مناطق آمنة للسباحة في بحر غزة، فتكون نسبة التلوث من (10-20)% من الساحل في المناطق التي تعتبر مصباً مباشراً للمياه العادمة غير المعالجة.
وعن تخوفات المواطنيين الغزيين حول السباحة في بحر غزة بعد تحذيرات مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين، قالت ريما عفانة (23 عاما)، وهي ربة منزل، : "يجب علينا التعامل مع هذه التحذيرات بشكل جديّ، فنمنع أطفالنا من المخاطرة بالسباحة في بحر غزة".
وأكملت: "مش ناقصنا (لا ينقصنا) أمراض ونكبات جديدة، يكفينا الأمراض النفسية التي خلفتها الحرب على غزة، والأمراض التي نشأت بسبب الحصار ومنع إدخال الأدوية، نحن لا نعرف هل سنقدر على علاج أي أمراض جديدة في ظل التعنت الإسرائيلي في عدم إدخال المستلزمات الطبية بالكامل إلى القطاع".
وأشارت إلى أن تلوث مياه بحر غزة يشكل حصاراً جديداً يخنق الغزيين، لا سيّما وأنه المتنفس الوحيد لغزة.
ووافقها الرأي محمد عارف (20 عاما) وهو طالب جامعي، وذكر أنه سيبتعد عن الاستجمام في البحر هذه الأشهر، حتّى يؤكد المسؤولون بغزة سلامة الساحل و"شفائه من البكتيريا المسببّة للأمراض".
news_share_descriptionsubscription_contact
