هداية الصعيدي
غزة - الأناضول
أعلن الفجر عن حلول يوم سيكون مختلقًا عن الروتين اليومي داخل غرف لا تتجاوز مساحة كل منها العشرين مترًا مربعا.
ففي هذا اليوم، وأيام لاحقة لا يعلم عددها إلا الله، سيكون قليل من الماء والملح هو الوجبة الوحيدة لأسرى فلسطينيين يبحثون عن حلاوة النصر داخل السجون الإسرائيلية. ويقي الملح من تعفن أمعاء المضرب عن الطعام، ويحافظ على توازن بعض العناصر المهمة في الدم.
فداخل هذه السجون، أسرى في زنازين عزل انفرادي منذ سنوات، وهواء لا يعرف النقاء ورطوبة قاتلة، وزنازين بلا أسرة، وملابس سيئة ومحدودة للغاية.
وبأمر إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية، لا يزور الأهل أبنائهم الأسرى سوى مرة واحدة كل شهرين، ولنصف ساعة فقط، لا تكفي لإطفاء نار الشوق.
وهي صورة تكتمل مأساويتها برفع "مقصف السجن" (الكنتين) لأسعاره عشرات المرات، حتى بات ما يملكه الأسرى من مال مجرد فتات لا يكفي سوى لشراء القليل.
لما سبق وغيره الكثير، اضطر الأسرى الفلسطينيون منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، إلى محاربة إسرائيل بسلاح يمتلكه كل منهم، ألا وهو "الأمعاء الخاوية" (الإضراب عن الطعام)؛ لوقف ما يمكن من انتهاكات إسرائيلية بحقهم، وتحصيل ما تيسر من حقوقهم.
ويرصد رئيس دائرة الإحصاء في وزارة شئون الأسرى والمحررين الفلسطينية عبد الناصر فروانة، في تصريحات لمراسل "الأناضول"، إضرابات الأسرى عن الطعام فيما يلي:
* 1967: إضراب لمدة 11 يوما في سجن الرملة، بالتزامن مع إضراب آخر في سجن كفار يونا، استمر ثمانية أيام.
* 1970: الأسيرات الفلسطينيات يضربن عن الطعام لتسعة أيام، وفي العام نفسه أضرب الأسرى لمدة سبعة أيام.
* 1973: إضرب في سجن عسقلان لمدة 24 يوما.
* 1976: إضراب في سجن عسقلان لمدة 45 يوما.
* 1977: إضراب في سجن عسقلان لمدة 20 يوما.
* 1980: احتجاجا على افتتاح سجن نفحة، ونقل الأسرى إليه في ظروفه قاسية، أضرب الأسرى لمدة 32 يومًا، وآنذاك استشهد الأسيران راسم حلاوة وعلي الجعفري.
* 1984: أضرب الأسرى في سجن جنيد لمدة 13 يوما، وأضربت الأسيرات لعدة أيام في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته.
* 1985: خاض الأسرى في سجن نفحة إضرابًا استمر 6 ايام.
* 1987: أضرب أكثر من 3000 أسير في سجن جنيد؛ ممما كان له دور في اندلاع الانتفاضة الأولى (1987).
* 1991: إضراب في سجن نفحة لمدة 17 يوما.
* 1992: خاض الأسرى أحد أهم الإضرابات، وأطلقوا عليه اسم "أم المعارك".
وعن هذا إضراب "أم المعارك"، يقول "أحمد الفليت"، الأسير المحرر ضمن صفقة تبادل الأسرى في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 بين حركة المقاومة الإسلامية (حماص) وإسرائيل: "لقد استمر هذا الإضراب أحد عشر يومًا بعد تحضير ثلاث سنوات، وشارك به 16 ألف أسير في السجون المركزية والمعتقلات؛ مما أجبر الاحتلال على تغيير واقع السجون، ودامت آثاره الإيجابية لعشر سنوات".
ويمضى موضحا، في تصريحات لـ"الأناضول"، أن "من إنجازات هذا الإضراب أنه تم إغلاق قسم العزل الانفرادي، وتمكّن ذوي الأسير من زيارته كل أسبوعين لمدة 45 دقيقة، وسُمح بإدخال الكتب وأجهزة المذياع ومواصلة الدراسة الأكاديمية للمرة الأولى، وزيارة الأسرى لبعضهم في غرف السجن، إضافة إلى تحسين الكانتين (مقصف السجن) وزيادة مبلغ المال المستخدم فيه وكمية الملابس المسموح بها، وتشكيل لجنة من الأسرى وإدارة مصلحة السجون للبحث في شؤون الأسرى".
ويعزي طول فترة الترتيب لهذا الإضراب (سنتين) إلى "صعوبة التواصل بين السجون، حيث جرى كتابة شروط ووقت وأهداف الإضراب في ورقة صغيرة جدا وضعت داخل كبسولة دواء ولفت بالنايلون، ثم يبلعها الأسير الذي يغادر إلى سجن آخر أو إلى المحكمة أو المستشفى، ومن ثم يسلمها إلى أسير آخر، وهكذا لمدة سنتين".
* 1995: الأسرى يضربون عن الطعام تحت شعار "الإفراج عن جميع الأسرى والأسيرات". وقد نظم هذا الإضراب أسرى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). وقد تضامن معهم أسرى حركتا "حماس" والجهاد الإسلامي، وشارك فيه 5 آلاف أسير لمدة 18 يوما.
* 1998: إضراب نظمه أسرى "فتح"، واشترك فيه بقية الأسرى بهدف الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، لاسيما بعد مرور ما يزيد عن 5 سنوات على توقيع اتفاقية أوسلو للسلام (بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993)، والتي يفترض بموجبها الإفراج عن جميع الأسيرات والأسرى الفلسطينيين.
وبعد هذا العام، خاض الأسرى عدة إضرابات عن الطعام يرصدها الأسير المحرر "أحمد الفليت":
* 2000: إضراب في سجن هداريم ما بين الأول والثلاثين من مايو/آيار. وعلى إثره تم إخراج المعزولين كافة، ومنهم من قضى ما يزيد عن عشر سنوات في العزل الانفرادي، وللمرة الأولى سمح للأسير بالاتصال الهاتفي بعائلته، ولكن في ظروف خاصة ومحدودة، كزواج أو وفاة، ومع ذلك كان الاتصال يجرى بعد شهرين أو ثلاثة من المناسبة. وكان هذا الإضراب من أسهل الإضرابات، حيث سٌمح للأسير بشرب كأس من الحليب والعصير.
* 2004: أسوأ إضراب في تاريخ الحركة الأسيرة بسبب اختيار توقيت خاطئ، فقد كان الإعلام مشغولاً بأولمبياد كرة القدم في اليونان، وأثر الإضراب بشدة على صحة الأسرى بسبب تنفيذه في فصل الصيف. وبعد هذا الإضراب ساءت حالة السجون بشكل كبير، إذ تم تقليص زيارات الأهالي لأبناهم، ووضع زجاج عازل بين الأسير وأهله أثناء الزيارة، وجرة تقليض مدة الخروج لساحة السجن، وإغلاق أقسام السجن في وقت مبكر، وتزايدت الاقتحامات للزنازين، والتفتيش الليلي والعاري.
* 2012: إضراب 1600 أسير عن الطعام بهدف إنهاء سياسية العزل الانفرادي. استمر الإضراب لـمدة 28 يومًا، وكان من نتائجه إخراج المعزولين، واستئناف زيارة أهالي قطاع غزة لأبنائهم الأسرى بعد منعهم لسنوات (منذ بدء الحصار الإسرائيلي لغزة في يونيو 2007)، وتقليص عدد الأسرى الإداريين من 450 إلى 180. وللمرة الأولى يتم توقيع اتفاق بين الأسرى والسلطات الإسرائيلية، برعاية مصرية.
ويوضح الأسير المحرر أن الفلسطيني يعامل في السجون الإسرائيلية كمعتقل أمني، وليس كأسير حرب، ولا يوجد في القانون الدولي هذا المصطلح (معتقل أمني)، ومن ثم ليس له أي حقوق ولا وسيلة أمامه للحصول على الحد الأدنى من حقوقه أو الدفاع عن نفسه سوى بالإضراب عن الطعام.
ووفقا لـ"أحمد الفليت"، "يتسبب الإضراب عن الطعام في مشاكل صحية خطيرة للأسرى؛ إذ يحتاج الأسير إلى ثلاثة أسابيع على الأقل بعد الإضراب لاستعادة وضعه الصحي السابق، وربما يصاب بقرحة المعدة، وبعضهم أصيب بفشل كلوي جزئي أو كامل".
ويوضح أن "الأسير المضرب عن الطعام، سواء في الصيف أو الشتاء، يشعر ببرد قارص، ولا يستطيع النوم ويصاب بصداع مستمر وهزال شديد حتى أنه كثيرا ما لا يقوى على الحركة".
ويضيف أن "إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية عادة لا تهتم بأمر الإضراب أبدا في الأيام العشر الأولى، وبعدها تبدأ بالتفاوض والمساومة، ثم تنقل الأسير المضرب عن الطعام بين السجون في عملية تستغرق من 4 إلى 8 أيام، وفي كل يوم يدوم النقل حولي 16 ساعة متواصلة ويكون الأسير مكبل اليدين والقدمين ومعصوب العينين؛ بهدف الضغط عليه لفك إضرابه".
وبحسب "الفليت"، الذي خاض الإضرابات المفتوحة عن الطعام منذ عام 1992، "يتعرض الأسرى خلال الإضراب للتفتيش العاري يوميا، ويمنعون من تلقي العلاج، وأحيانا يتعرضون للضرب.. وبعد فترة تطعم إدارة مصلحة السجون الأسير بالقوة عن طريق الزندة، وهي أنبوب موصول من الأنف إلى معدة الأسير، وأي مقاومة من الأأسير تحول الطعام إلى رئتيه؛ مما قد يتسبب بوفاته".
وبتابع: "بالفعل توفى عدد من الأسرى بسبب هذا الأسلوب؛ مما دفع سلطات السجون إلى التوقف عن استخدامه واللجوء إلى الإطعام بمحاليل وفيتامينات توضع في الماء".
كما "تصادر إدارة السجون كافة المقتنيات الموجودة في غرف الأسرى، ولا يبقَ شيء سوى الجدران وثوب إضافي لكل أسير، وغطاء واحد لا يكفي لتدفئة جسد يعاني من هزال وبرد قارص، بل وتصادر زجاجة المياه الخاصة بكل أسير مضرب عن الطعام ليضطر إلى النهوض لشرب المياه رغم عدم مقدرته على الحركة"، بحسب الأسير الفلسطيني المحرر.
news_share_descriptionsubscription_contact
