الأناضول - تونس
عادل الثابتي
تتجه حركة النهضة، أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم في تونس خلال الساعات القادمة، إلى عقد مؤتمرها التاسع وسط تساؤلات في الداخل والخارج عن آفاق تونس تحت حكم الإسلاميين وطموحات أبناء الحركة في تأكيد جماهيريتهم وتجاوز جراح الماضي.
مؤتمر ضخم أم ثأر التاريخ؟
لعله من ثأر التاريخ أن ينعقد المؤتمر التاسع لحركة النهضة بصفة علنية لأول مرة في تونس منذ نشأة الحركة سنة 1972 في نفس الوقت الذي غاب فيه من المشهد السياسي الحزب الذي احتكر الحكم في تونس منذ سنة 1956 تاريخ استقلال تونس عن المستعمر الفرنسي إلى يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011 تاريخ هروب رئيس حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ورئيس تونس السابق زين العابدين بن علي. وتعقد حركة النهضة هذا المؤتمر في الفضاءات الواسعة وبحضور متوقع لآلاف المشاركين بعد سنوات المؤتمرات السريّة التي كانت تعقد في المزارع والبيوت الخاصة.
وينعقد هذا المؤتمر أيضا لحزب من أكثر الأحزاب التونسية تعرضًا لقمع وبطش النظام السابق في سياق ضخم يغلب عليه الاستعراض مثلما توحي بذلك التحضيرات الكبيرة لهذا المؤتمر التي تمّت حتى الآن.
وتتابع الساحة السياسية التونسية وحتى المهتمين بالشأن التونسي في الخارج هذا المؤتمر باعتباره أكبر حدث سياسي تشهده البلاد منذ انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر الماضي لما لحركة النهضة من موقع محدّد لمستقبل تونس في السنوات المقبلة.
وتعقد حركة النهضة هذا المؤتمر وهي مثقلة بإكراهات عديدة ليس أقلّها تحمّل أعباء الحكم وسط وضع سياسي لا يزال بقايا النظام السابق يتحكمون في مفاصل الإدارة ويكتنزون الأموال التي راكموها خلال العهد البائد إلا أن إكراهات الخارج تخفف من حدّتها وحدة داخلية لم تزدها السنوات إلا صلابة.
النهضة تنهض من رماد سنوات القمع
لقد جاءت الثورة لتؤكد صحة أفكار زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي الذي تمسّك بعدم إمكانية إجراء أي صلح مع النظام السابق، وهو ما أثار احتجاج بعض رموز الحركة السابقين الذين اعتبروا تلك التصريحات مسيئة لأوضاع النهضويين داخل تونس لأن النظام كان يضغط عليهم كلما عبّرت الحركة عن مواقف راديكالية في الخارج.
ورغم تشتت التنظيم داخليا في تونس إثر الضربات التي تلقاها من نظام بن علي فإن قلة من القياديين السابقين بقوا على العهد وسرعان ما أعادوا في سرية مطلقة بناء نواة للتنظيم في تونس إثر خروجهم من السجن وتواجدوا بين جموع المتظاهرين منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 سواء كان ذلك في المحافظات الداخلية مهد الثورة أو عندما انتقلت الاحتجاجات إلى العاصمة يوم 27 تشرين الأول/ ديسمبر 2010 وكان من أبرز الحاضرين العجمي الوريمي القيادي الطلابي السابق الذي يُطلق عليه اليوم "فيلسوف الحركة".
الشيخ راشد.. أي مصير؟
ولا يعتقد المتابعون لنشاط حركة النهضة وتنظيمها الداخلي أن مؤتمرًا يغلب عليه طابع الإبهار وحضور الضيوف الأجانب سينظر في أسئلة ملحة داخليًا تتعلق بالماضي والمسؤولية عن سنوات الجمر التي سحقت أحلام الآلاف من أبناء الحركة.
كما لا يعتقد المتابعون أن مصير الشيخ راشد على رأس الحركة سيكون محل جدل كبير، ويذهب البعض إلى أنه لن يطرح حتى للنقاش خاصة وأن رئيس المكتب السياسي للحركة عامر العريض قد قطع الطريق عن مثل هذه المطالب بالتصريح للصحافة التونسية "إن الحركة لا تزال في حاجة إلى الشيخ راشد الغنوشي".
ورغم أن بعض القيادات الشابة في حركة النهضة تدفع اسم وزير الصحة الحالي عبد اللطيف المكي، الأمين العام السابق لأكبر منظمة طلابية "الاتحاد العام التونسي للطلبة" القريبة من الإسلاميين، كبديل للشيخ راشد الغنوشي بل كـ"أردوغان تونسي" يطوّر الحركة ويقطع مع بعض سلبيات الماضي فإن أغلب خيوط اللعبة تجتمع اليوم في يد الشيخ راشد الغنوشي مما يُعَسِّر مهمة خلافته. ويشبّه بعض المتابعين وضعية الشيخ راشد بوضعية ياسر عرفات في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عندما كان أبو عمار يجمع كافة خيوط اللعبة في يده.
حركة عصيّة عن الانشقاقات ذات طموحات كبيرة
ورغم أن بعض الأوساط السياسية والإعلامية راهنت على إثارة بعض المشاكل الداخلية، فإن حركة النهضة أكدت قانونا سياسيا خاصا بها حكمها منذ نشأتها سنة 1972 وهو "قانون" فناء المنشقين عنها سياسيًا، فلم تتمكن مجموعة اليسار الإسلامي التي انشقت عنها في أواخر السبعينيات من بناء حزب خاص بها، ولم يستطع الشيخ عبد الفتاح مورو أبرز قيادييها السابقين الذي تخلى عن الحركة في أوج قمع السلطة لها في بداية التسعينيات من القرن الماضي أن يشكل إحراجًا جديًا للحركة، فلقد كانت حركة النهضة أقدر حركة سياسية في تونس على استيعاب التناقضات التي تشقها وعلى تهميش مَنْ يغادرها.
وتبدو اليوم حركة النهضة أكبر الأحزاب قدرة على الانتشار إن لم تكن الحزب الوحيد في تونس الذي يتمتع بقدرات تنظيمية جبارة مكنته من الحضور في كافة مراكز الاقتراع خلال انتخابات أكتوبر الماضي مما مكّنه من الحصول على نتائج الانتخابات كاملة قبل أي جهة أخرى، حيث انتشر مناضلوها في الأحياء الشعبية وفي الأرياف والجبال في الوقت الذي انحسر فيه وجود باقي منافسيها السياسيين في بعض المدن والقرى.
كما يبدو أن المؤتمر سيؤكد الاستمرار في التوافق مع الشركاء في الائتلاف الحكومي رغم ما شابه من تعثّر وذلك في قراءة جيدة من قبل الحركة للتوازنات المحلية والإقليمية والدولية، وقد دلّ تعيين مرشح عن حزب التكتل (عضو في الائتلاف الحاكم مع النهضة) سفيرًا في فرنسا وتعيينات أخرى مرتقبة من خارج الحركة في مناصب هامة على فهم عميق من قبل حركة النهضة لتلك التوازنات.
ولعل السؤال الأبرز الذي يجب على المؤتمر أن يجيب عنه.. هو كيف تحافظ حركة النهضة من جهة على ولاء قاعدتها الانتخابية المتكونة من الطبقات المسحوقة اجتماعيا؟، وكيف تنجح في استحقاق ممارسة الحكم بما يوسّع هذه القاعدة من جهة أخرى لا سيما أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي قد تميّز إلى حد الآن بصعوبات عديدة؟
إن تحدي التنمية هو أكبر تحدٍ يواجه حركة النهضة اليوم.
news_share_descriptionsubscription_contact
