فالرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، كان عراب تلك الفكرة منذ عام 1995، حيث تبنى رؤية لحل الصراع مع الفلسطينيين، تقوم على فكرة نزع فتيل العنف الفلسطيني، على حد قوله، من خلال الرخاء الاقتصادي.
وهو مشروع تبنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، واعتبرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية "بادرة حسن نوايا"، ترتبط برزم اقتصادية مختلفة ومؤتمرات دعم مالي للسلطة الفلسطينية.
ولم يتحول المشروع إلى فكرة متكاملة كبديل للحل السياسي إلا في عهد حكومة بنيامين نتنياهو السابقة (1996 : 1999)، لقناعته بأن إسرائيل لا تستطيع الدخول في تسوية سياسية مع الجانب الفلسطيني تدفع فيها استحقاقات قيام دولة فلسطينية مستقلة، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية.
هذه القناعة جند لها نتنياهو منسق اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة)، توني بلير، لا سيما وأنها تلاقت مع رؤية رئيس الوزراء الفلسطيني (المكلف حاليا بتصريف الأعمال)، سلام فياض، لمشروع بناء الدولة الفلسطينية عبر ما يعرف ببناء المؤسسات أولا، وهو مشروع يتبناه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس منذ عام 2008.
ووفقا لوسائل إعلام إسرائيلية تقوم رؤية نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، لمشروع السلام الاقتصادي، على أربعة محاور، هي:
1 - بناء مدن صناعية مشتركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والجانب الأردني؛ من أجل إيجاد فرص عمل لآلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
2 - فتح المجال أمام الفلسطينيين للعمل في إسرائيل من خلال مكاتب عمل، مقابل الاستغناء عن العمالة الوافدة إلى إسرائيل من دول غربية عديدة.
3- تشكيل مظلة دولية من الدول الغربية لدعم موازنة السلطة الفلسطينية بمليار دولار سنويا. إلا أن الأزمة المالية العالمية حالت دون هذا الدعم.
4- إعادة صياغة البيئة الاقتصادية الفلسطينية من خلال إعطاء صلاحيات للسلطة الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بتسهيل التواصل على الحدود الأردنية والفلسطينية.
فيما أضاف الملحق الاقتصادي لصحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية محورا خامسا أسمته "الاقتصاد من خلال حقول الغاز".
ويقوم هذا المحور على التعاون بين إسرائيل والجانب الفلسطيني في استغلال كميات الغاز الموجودة قرب شواطئ غزة على البحر الأبيض المتوسط، والتي تقدر بأنها كميات تجارية يمكن أن تعزز التنمية في الأراضي الفلسطينية.
إلا أن "هآرتس" رأت أن قدرة نتنياهو على إنفاذ مشروعه للسلام الاقتصادي تحتاج إلى توافر ثلاثة أركان، وهي: "إقناع الفلسطينيين بأن الاقتصاد لديهم أهم من الدولة، والتعاطي مع معضلة سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة (منذ يونيو 2007)، لا سيما وأن الحركة تميل إلى بناء قاعدة عمل مسلح ضد إسرائيل، إضافة إلى إقناع المجتمع الدولي بمشروع السلام الاقتصادي".
ومع غياب هذه الأركان الثلاثة، بحسب الصحيفة، سقطت رؤية نتنياهو للمشروع، ليضاف إلى مشاريع التسوية المجمدة.
وفي الأيام الأخيرة ذاب الجليد عن هذا المشروع بأيدي الإدارة الأمريكية، حتى قالت صحيفة "إسرائيل اليوم" إن وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، يعبث في مقابر الأموات بالحديث عن مشروع السلام الاقتصادي، وذلك بعد نضوج هذا المشروع لدى الرئيس الأمريكي، باراك أوباما.
وتقوم القناعة الأمريكية بذلك المشروع على أساس "ضرورة حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي لتذليل العقبات أمام الولايات المتحدة الأمريكية في ملفات سوريا إيران ومستقبل مصر وبقية دول الربيع العربي"، بحسب القناة العاشرة في التليفزيون الإسرائيلي.
وتؤمن واشنطن بأن "خطوات جسر الفجوة بين إسرائيل والفلسطينيين يجب أن تبدأ من خلال الملف الاقتصادي، خاصة بعد التدهور (الاقتصادي) الحاصل في الضفة الغربية، والذي أنذر في عدة مراحل بانهيار السلطة الفلسطينية؛ مما يعني اشتعال العنف من جديد في المنطقة"، وفقا لـ"معاريف".
ومع هذا الوضع بلورت واشنطن صيغة أمريكية تقوم في أساسها على رؤية نتنياهو للسلام الاقتصادي، مضيفة إليها، بحسب الصحيفة، أدوارا لتركيا وبعض دول الخليج العربي ودلا أوروبية ومؤسسات دولية عملاقة وشخصيات اقتصادية.
وتضيف "معاريف" أن المساعي الأمريكية في هذا الاتجاه بدأت الشهر الماضي بلقاءات مع قيادات فلسطينية وإسرائيلية؛ بهدف إقامة مناطق اقتصادية عملاقة بمليارات الدولارات؛ لتحقيق طفرة اقتصادية تعيد الثقة في عملية السلام المجمدة منذ نحو العامين؛ جراء رفض نتنياهو تجميد الأنشطة الاستيطانية خلال محادثات السلام مع الفلسطينيين.
والثقة في عملية السلام، وفقا للقناة الثانية بالتليفزيون الإسرائيلي، يجب أن تقفز إلى حل ملفات الصراع الرئيسية، مع ضمان اعتراف عربي بيهودية إسرائيل، محذرة من أن غير ذلك سيعيد الأوضاع إلى المواجهة؛ لأن المطلوب هو "حل الصراع لا تجميل مقابر الأموات".
معلقا على مشروع السلام الاقتصادي، يقول الخبير الاقتصادي الفلسطيني، مخطط التنمية الدولية، الدكتور إيهاب البرغوثي، في حديث لمرسل "الأناضول": في دراستنا لواقع التنمية بالأراضي الفلسطينية، وأي مقترح لحل اقتصادي، وجدنا 3 معوقات، وهي:
1 - عدم توفر بيئة مجتمعية وسياسية قابلة لهذا النوع من الحلول في الأراضي الفلسطينية.
2- عدم جاهزية الجانب الإسرائيلي لإعطاء الجانب الفلسطيني مساحة من الحرية والقدرة على إدارة المصادر الطبيعية في الأراضي الفلسطينية .
3- عدم قناعة رأس المال بالبيئة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية في ضوء تجربة الأعوام الماضية وتكرر اندلاع المواجهة المدمرة على الساحة الفلسطينية.
هذه النقاط الثلاثة، إضافة إلى ما تحدثت به وسائل إعلام إسرائيلية، تجعل فكرة السلام الاقتصادي مجرد "حلم يبدده كابوس الواقع الفلسطيني الصعب، والذي صنعه الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى حلم فلسطيني بدولة مستقلة، بحسب تحليلات وسائل إعلام إسرائيلية.