إيمان عبد المنعم
القاهرة- الأناضول
تشهد الأنشطة الجماهيرية والجولات الداخلية المفتوحة للرئيس المصري محمد مرسي تجمدًا منذ أكثر من 100 يوم، ما بات محل تساؤل أوساط إعلامية وسياسية.
هذا التجمد أرجعته مصادر مقربة من الرئاسة إلى كثرة حملات النقد التي استهدفته مؤخرًا فضلا عن انتشار بؤر العنف التي تقودها "الثورة المضادة"، فيما فسرته مصادر مستقلة بأنه "انعكاس لتضاؤل شعبيته دفعه لدخول شرنقة قصر الرئاسة والابتعاد عن مواجهة الجماهير".
وسرت، أمس الثلاثاء، أنباء عن قيام مرسي بأول زيارة جماهيرية له منذ أكثر من ثلاثة أشهر ستقوده إلى محافظة سوهاج، جنوب مصر، غير أن قيادات بحزب الحرية والعدالة الحاكم بالمحافظة أوضحت لـ"الأناضول" أن الزيارة "ينتظر أن تتم الأسبوع المقبل" فيما صرح، اليوم الأربعاء، محافظ سوهاج يحيي عبد العظيم لـ"الأناضول" أن "الزيارة ستتم يوم السبت المقبل".
ورصدت "الأناضول" تحركات الرئيس المصري الجماهيرية التي بدأت حتى قبل توليه الحكم رسميًّا نهاية يونيو/حزيران الماضي واتسمت بقلة الحراسة ونشاط مكثف عبر جولات في المحافظات والأحياء، وخطابات مباشرة في الميادين والمؤسسات الحكومية قبل أن تتجمد تقريبًا منذ 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أي منذ 112 يومًا، في أعقاب موجة احتجاجات فجرها الإعلان الدستوري الذي حصن فيه الرئيس قراراته من الطعن أمام القضاء، لحين صدور دستور جديد، وهو ما حدث بالفعل في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
في 26 يونيو/حزيران الماضي، دخل مرسي قصر الرئاسة قبل أدائه اليمين الدستورية كأول رئيس منتخب لمصر في عصرها الحديث، مستقبلاً أسر شهداء ثورة 25 يناير/كانون الثاني. وفي 29 من الشهر ذاته أدى أول صلاة جمعة بعد ساعات من أدائه اليمين الدستورية في جامع الأزهر التاريخي بوسط القاهرة بين الآلاف من المصلين، وخطب فيهم، ثم توجه لميدان التحرير، المقر الرئيسي لمظاهرات الثورة المصرية، حيث وقف على المنصة ترافقه حراسة محدودة، وفتح سترته، مدللا على عدم خوفه من التعرض للأذى.
وطوال شهر يوليو/تموز الماضي، أدى صلوات الجمع بالعاصمة وبعدة محافظات مثل الشرقية (شمال القاهرة)، والفيوم (جنوب غرب القاهرة).
وفي أغسطس/ آب (واكب شهر رمضان)، كثّف صلاته بالفجر والتراويح والقيام في المساجد المختلفة وظهر مرتديًا الجلباب الأبيض، وكان حريصًا على أن يخطب في الجماهير بكلمات حماسية في نهاية كل صلاة قبل أن يؤدي الجمعة الأخيرة لشهر رمضان في الجامع الأزهر.
وصلي بمسجد أبو بكر الصديق بمصر الجديدة، شرق القاهرة، وهتفت له الجماهير "ارفع رأسك فوق أنت مرسي"، وحاول البعض رفعه علي الأعناق، خاصة وأن هذه الصلاة جاءت بعد أيام قليلة من إحالة وزير الدفاع ورئيس المجلس العسكري، حسين طنطاوي، ونائبه سامي عنان، إلي التقاعد؛ وهو ما تم اعتباره تخلصًا من الحكم العسكري الذي خضعت له البلاد لمدة 60 عامًا، خاصة وأن فترة حكم المجلس العسكري بعد تنحي الرئيس السابق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011، قوبلت بانتقادات شعبية.
وفي الشهر ذاته، واصل مرسي التحامه وتواصله مع الجماهير، حيث بثت له الإذاعة المصرية برنامجًا يوميًا خلال شهر رمضان بعنوان "أنت تسأل والرئيس يجيب" وكان يجاوب فيه عن خطته لحل مشاكل الجماهير الحياتية. وفي سبتمبر/ أيلول، أعد حلقة تحت عنوان "موعد في مكتب الرئيس" ليذاع شهريًا على التلفزيون المصري، لكن لم يذع سوي حلقة واحدة منه في 22سبتمبر/أيلول.
وشهد شهر أكتوبر/تشرين الأول تشديدًا لحراسة الرئيس، وزاد عدد موكبه، خاصة بعد الانتهاء من تشكيل أول حكومة له برئاسة هشام قنديل، وتغيير قيادات أمنية بارزة منها رئيس المخابرات العامة مراد موافي.
وبرز ذلك التشديد الأمني وقت أداء الرئيس صلاة الجمعة بمسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، حيث كانت المرة الأولى التي يتسع فيها موكبه الرئاسي ليضم نحو 16 سيارة، كما تم فرض إجراءات أمنية مشددة هي الأولى في عهده، مثل غلق الشوارع المؤدية للمسجد، والتفتيش الدقيق للمصلين، ومنع بعضهم من الدخول. وتكرر الأمر مع زيارته لمدينة العريش بمحافظة شمال سيناء (شمال شرق) في الخامس من الشهر ذاته، والتي أدى فيها صلاة الجمعة بمسجد مدينة المستقبل الشبابية.
وفي 12 من الشهر ذاته، أدى مرسي صلاة الجمعة بمسجد سيدي جابر، بالإسكندرية (شمال)، وأعقب ذلك مؤتمر شعبي قام علي تنظيمه كل من حزبي الحرية والعدالة الحاكم وحليفه في ذلك الوقت حزب النور.
وبداية من هذه النقطة، ظهر حجاب بين الرئيس ومواطنيه؛ حيث كان دخول مكان المؤتمر بدعوات، بحسب روايات شهود عيان، وتجلى الأمر أكثر مع زيارته لمحافظة مرسي مطروح، شمال غرب، في 19 من الشهر ذاته، وسط حراسة 3 آلاف جندي و350 ضابطًا.
وكان المشهد مختلفًا واستثنائيًا عندما أدى صلاة الفجر في 27 أكتوبر/تشرين الأول بمدينة الزقازيق مع الشباب؛ حيث مسقط رأسه قبل توليه الرئاسة دون حراسة.
وفي 2 نوفمبر/تشرين الثاني، زار محافظة أسيوط (جنوبا) وأدى صلاة الجمعة بمسجد عمر مكرم بالمدينة، وهناك وجه الدعوة للشعب للتبرع في حساب جديد باسم "النهضة"، وهو اسم المشروع الانتخابي له، وفي الجمعة التالية أدى الصلاة في حي التجمع الخامس حيث منزله بالقاهرة، ودعا خلال كلمته عقب الصلاة إلى إغلاق المحال التجارية في العاشرة مساء.
وآخر زيارات الرئيس كانت لمحافظة الإسكندرية الساحلية، شمالا، عندما افتتح مصنع البتروكيماويات بميناء الدخيلة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، ومنذ ذلك الحين لم يقم بجولات في أي من محافظات مصر الـ27، عدا العاصمة القاهرة.
وجاء يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني علامة بارزة في علاقته بالجماهير؛ حيث أصدر فيه إعلانا دستوريا منحه صلاحيات واسعة، وحصن قرارته من الطعن أمام القضاء حتى إنجاز الدستور؛ ما فجر ضده غضبًا واسعًا في أوساط القضاء والمعارضة، وانطلقت مظاهرات رافضه، وأخرى مؤيدة له، وتوجه بعضها إلى القصر الرئاسي.
وكانت مظاهرات المؤيدين له، وكثير منهم من جماعة الإخوان المسلمين، أسبق إلى القصر، في يوم 23 من ذات الشهر، وخرج لهم مرسي محييا قدومهم، كما شن هجومًا على بعض الرافضين للإعلان، وهو الخطاب الذي وصف إعلاميًّا بخطاب "الأهل والعشيرة"، في إشارة إلى أنه خاطب به جماعة الإخوان التي كان أحد أبرز قادتها قبل توليه الرئاسة، وكان هذا الخطاب هو آخر لقاء جماهيري لمرسي.
وفي وقت لاحق، زحفت إلى القصر مظاهرات معارضة، تطورت إلى اعتصام، ولم يخرج الرئيس إلى معارضيه، ما سحب عليه موجة جديدة من الانتقادات له بمحاباة جماعة الإخوان.
أما آخر خطاباته أمام مؤسسات الدولة فكانت في 29 يناير/كانون الثاني الماضي، عندما ألقى كلمة أمام مجلس الشوري (الغرفة الثانية للبرلمان) بمناسبة نقل الصلاحيات التشريعية مؤقتا للمجلس، لحين انتخاب مجلس نواب جديد.
وآخر تحرك معلن عنه داخل العاصمة كان في 15 يناير/كانون الثاني عندما قام عبر طائرة هليكوبتر بزيارة عدد من المصابين في حادثة قطار في مستشفى المعادي العسكري على نيل القاهرة.
ومنذ ذلك الحين وجميع البيانات والخطابات كانت من داخل القاعات المغلقة، ومعظمها مسجل، كما لم يشارك في أي احتفالات عسكرية منذ تولي الفريق عبد الفتاح السيسي وزارة الدفاع في 12 أغسطس/آب الماضي، وذلك في مقابل مشاركته في 7 احتفالات عسكرية في الشهر الأول من توليه رئاسة البلاد.
وأرجع مصدر عسكري لـ"الأناضول" ذلك إلى "عدم وجود حدث قوي يستدعي حضور مرسي، بصفته الرئيس الأعلى للقوات المسلحة؛ حيث إن حفلات التخرج تتمركز في شهري يوليو/تموز وأغسطس/ آب، بجانب احتفالات انتصار حرب أكتوبر/تشرين الأول".
وبحسب ما قالته شخصية مقربة من الرئاسة لـ"الأناضول"، في تصريحات مقتضبة، فإن "حملات النقد التي واجهها مرسي في تنقلاته الداخلية واتهم فيها بإهدار موارد الدولة المالية في حراسته ومواكبه خلال تلك التنقلات، كانت من أسباب خفضه لتحركاته، خاصة المتعلقة بأداء صلاة الجمعة".
وأرجع أحمد عارف، المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين، تراجع جولات الرئيس لـ"انتشار بؤر العنف التي تقودها الثورة المضادة".
وأضاف، لمراسلة الأناضول للأنباء، أن "الثورة المضادة ربما تكون قد كسبت جولة ولكن الأيام القادمة ستشهد تراجعًا عن العنف".
وفي معرض تفسير لغياب أنشطة مرسي الجماهيرية مؤخرًا، رأى مصطفي كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، أن "تآكل شعبية مرسي هو الذي دفعه للدخول في شرنقة قصر الرئاسة وعدم مواجهة الشعب".
وقال السيد، في تصريحات لمراسلة الأناضول، إن "مرسي تولى الحكم قبل نحو 9 أشهر وسط حالة من التفاؤل، وبشعبية مرتفعة جدا، وكانت القوى السياسية مستعدة للتعامل معه علي الرغم من عدم انتخاب بعضها له، لكن مع مضي الوقت تبين أن الرئيس لا يستمع إلى مستشاريه مما دفع غالبيتهم للاستقالة".
وأشار السيد إلى بعد آخر وهو "عدم تعامل الرئيس بمنطق أنه المثل الأعلى، فلم يبال بالالتزام بمواعيد ظهوره على الشاشة لمخاطبة الجماهير، وحديث الرئيس يحمل لغة الوعود التي لا تحمل جديدًا على أرض الواقع"، بحسب تقديره.
--------------
شارك في التغطية : السيد عزت
news_share_descriptionsubscription_contact
