علاء أبو العينين
القاهرة - الأناضول
بقى عشرات المتظاهرين في ميدان التحرير بوسط العاصمة المصرية القاهرة، مساء اليوم، بعد يوم طويل تحول فيه الميدان لما يشبه "حلقات النقاش السياسي".
وبينما سعت الكثير من القوى الليبرالية واليسارية لحشد أنصارها من أجل المشاركة في جمعة "مصر مش عزبة (ليست حكرا).. مصر لكل المصريين"، انقسم المتظاهرون - الذين قُدرت أعدادهم في وقت الذروة ببضعة آلاف – إلى مجموعات صغيرة ومتفرقة في أنحاء الميدان تتناقش حول الأوضاع السياسية في مصر في الوقت الراهن، والأداء السياسي للرئيس المصري محمد مرسي بعد مرور أكثر من 3 شهور على توليه الحكم في الـ 30 من يونيو/ حزيران الماضي.
ولم تخل هذه النقاشات من المشاحنات البسيطة التي تنشب بين الحين والآخر في أوساط المتظاهرين ويصحبها تدافع أو اشتباك في بعض الأحيان، لكنها تهدأ سريعاً بعد قيام متظاهرين آخرين بالفصل بين الأطراف المشتبكة التي تنتمي لتيارات سياسية مختلفة.
ومن بين الداعين لجمعة اليوم والمشاركين فيها: "التيار الشعبي" وأحزاب "الدستور"، و"التحالف الشعبي"، و"المصريين الأحرار"، و"المؤتمر المصري"- تحت التأسيس - إضافة إلى "الجمعية الوطنية للتغيير" و"حركة 6 إبريل جبهة أحمد ماهر".
وبينما بدا أن كثيرًا من الأحزاب المشاركة تروج لنفسها عبر أعلامها وتوزيع قمصان تحمل شعاراتها، ظهر الفصام واضحا بين "حركة 6 إبريل جبهة أحمد ماهر" التي اتخذت مكانا منطويا في الميدان عن باقي القوى الأخرى، وهو ما برره ناشط بالحركة يدعى رفعت عادل لمراسل وكالة "الأناضول" للأنباء بقوله: "فلول النظام السابق ينتشرون بين القوى الأخرى المشاركة في التظاهرات".
المشهد في الميدان - الذي سيطرت عليه القوى الليبرالية واليسارية بشكل شبه كامل - لم يخلُ من أعداد قليلة من الإسلاميين، حسبما توضح هيئاتهم، والذين انتشروا في أطراف الميدان، وظلوا يراقبون الأوضاع عن بعد.
ومن هؤلاء محمد عبد الرحمن، من حزب النور (السلفي) الذي قال لمراسل "الأناضول": "جئت لمشاهدة ما يحدث في الميدان بدافع الفضول"، مضيفا أنه "يثق في عدم نجاح القوى المشاركة في تحقيق ما تصبو إليه سواء من حل الجمعية التأسيسية التي تعمل حاليا على صياغة دستور جديد للبلاد أو إخراج الإسلاميين من المعادلة السياسية في البلاد".
واعتبر أن "كثيرًا من القوى الليبرالية واليسارية جاءت لميدان التحرير اليوم من أجل خدمة مصالحها الشخصية والترويج لنفسها قبل الانتخابات التشريعية المقبلة لا أكثر، وبينهم فلول يريدون إدخال البلاد في فوضى حتى تنشغل الدول عن سرقاتهم التي دامت لمدة تزيد عن 30 عاماً"، في إشارة إلى فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك.
وكانت مظاهرات جمعة اليوم تدعو، بحسب بيانات القوى المشاركة، بتعديل المسودة الأولى للدستور الجديد، معتبرين أنها لا تمثل كافة توجهات ومطالب المصريين، وبمحاسبة الرئيس محمد مرسي على ما أنجزه من وعود انتخابية بعد مرور المائة يوم الأولى من توليه منصبه.
وبينما كانت حلقات النقاش السياسي محتدمة في الميدان وكان الوجوم يسيطر على وجوه الجميع، كانت فئة أخرى تعيش الفرحة بكل معانيها، حيث تعلو ابتسامة عريضة وجوههم، وهي فئة البائعين، التي أصبحت تنتظر مثل هذه المظاهرات بفارغ الصبر؛ حيث يعتبرونها من مواسم الربح الوفير.
فهنا بائع الترمس وهناك بائع المياه الباردة وفي مكان آخر من الميدان بائع الذرة المشوية، وبجواره بائع الأعلام المصرية.
وحول المعلم أحمد، الذي يبيع شطائر الكبدة والسجق، التف عدد كبير من المتظاهرين لتناول غدائهم بعد يوم شاق من التظاهر، والذي قال لمراسل "الأناضول" وهو منهمك في إعداد الوجبات لزبائنه: "اليوم يوم ربح وفير"، مضيفا أنه يتمنى أن يكون الأسبوع كله تظاهرات.
وبجواره مرت أم أحمد التي تتجول في أرجاء الميدان بخفة ورشاقة، عارضة بيع قوارير المياه الباردة، ولا تفارق الابتسامة وجهها رغم الزحام والصخب العالي في الميدان، وهو ما بررته بقولها: "المكسب (العائد) كتير يا بيه".
وبين المتظاهرين والبائعين ضم الميدان فئة ثالثة لم تأتي للاحتجاج على أوضاع معينه، لكن من أجل المشاهدة فقط بدافع الفضول، وهذه الفئة قدرها أحد أنصار "حركة 6 إبريل جبهة أحمد ماهر" بنحو 60% من المتواجدين، لكن أضاف مستدركا: "حتى خلال أيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 كانت نسبة كبيرة من المتواجدين مجرد متفرجين (مشاهدين) لا أكثر، الشعب المصري يجب الفرجة (المشاهدة)".
فئة رابعة لا تفهم شيء في السياسية، ولا تعنيها المطالب التي ترفعها القوى السياسية المشاركة في مظاهرات اليوم، لكن مطلبها الوحيد هو الحصول على لقمة العيش الكريمة.
ومن بين هؤلاء المواطنة الستينية سعدية أبو السعود، التي جاءت للميدان من أجل لفت نظر المسئولين إلى شكواها من عدم الحصول على معاش من المؤسسة التي عملت بها لأكثر من 15 عاما.
وتقول: "جئت إلى هنا لعلي أجد من يستمع لمظلمتي، ليس لي أي انتماءات سياسية، ولا يعطيني أحد أموال كما يظن بي البعض".
وتضيف: "منذ أحداث الثورة، وأنا أحضر للميدان في كل مظاهرة تقام فيه، وأنا مصممة على رد الظلم عني مهما طال الزمن".
وفي نهاية اليوم الطويل التي سيطرت عليه هتافات مناهضة لجماعة الإخوان المسلمين والرئيس المصري محمد مرسي، عاد الجميع إلى منازلهم، وبقى العشرات يتسامرون في الحديقة الوسطى للميدان حول مختلف القضايا السياسية التي تمر بها البلاد حالياً.
وبينما عادت حركة المرور لطبيعتها في ميدان التحرير من كافة الاتجاهات، ظلت فئة البائعين الفئة الأكثر حضورا لعلها تحقق أرباحاً إضافية تعوضها عن بقية أيام الأسبوع التي يخلوا فيها الميدان من المتظاهرين، وتخلوا معها جيوبهم من المال.