كوثر الخولي
القاهرة- الأناضول
حظي كتاب لأحمد أبو الغيط، آخر وزير خارجية في عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، باهتمام القراء الذين يتطلعون لمعرفة أسرار وتعقيدات صناعة السياسة الخارجية المصرية في الفترة من عام 2004 وحتى قيام الثورة في يناير/ كانون الثاني2011.
وتولى أبو الغيط وزارة الخارجية المصرية في الفترة من يوليو/ تموز 2004 إلى مارس/ آذار 2011.
ويتناول كتابه "شهادتي.. السياسة الخارجية المصرية 2004 - 2011" الذي صدرت طبعته الخامسة الشهر الجاري تفاصيل إدارة السياسة الخارجية لعهد مبارك، وصولاً إلى أهم تحديات الـ45 يومًا الأخيرة في حياة النظام السابق.
وتعد هذه الشهادة الأولى من نوعها التي تروي جانبًا من جوانب نظام مبارك فيما يتعلق بملفات السياسة الخارجية المصرية التي قيل عنها الكثير في السنوات الماضية.
وأزاح أبو الغيط في شهادته الستار عن حقيقة تراجع الدور المصري وتأثيره في المنطقة والعالم، وهل بالفعل تخلى نظام مبارك عن مسلمات السياسة الخارجية المصرية في بؤر التوتر والصراع لأطراف أخرى لاعبة حاولت سرقة دور مصر، ودور عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية السابق في عملية اتخاذ القرار في الملف الخارجي، وغيرها من القضايا الشائكة التي حفلت بها فترة تولي أبو الغيط حقيبة الخارجية المصرية.
ويعتبر "أحمد أبو الغيط" أحد رموز النظام السابق، وشابت فترة توليه لوزارة الخارجية المصرية عددًا من الأحداث المهمة، أبرزها الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في ديسمبر/ كانون أول 2008، واتهامه بـ"التعاون" مع إسرائيل في تسهيل هذا الهجوم، كما تم اتهامه بـ"معاداة" ثورة 25 يناير/كانون الثاني، بسبب تصريحاته بأن "مصر ليست تونس" في إشارة إلى ثورة الياسمين في تونس، والتي اندلعت في 17 ديسمبر/ كانون أول 2010.
والكتاب الذي يقع في 536 صفحة، من القطع الكبير، صدر عن دار نهضة مصر للنشر في 2013.
ويتضمن الكتاب 13 فصلاً، وملحقاً للصور الشخصية والعامة تسجل أهم ملامح مسيرة أبو الغيط الدبلوماسية.
ويتناول أبو الغيط في كتابه آليات اتخاذ القرار في السياسة الخارجية المصرية حيث يؤكد أن "الرئيس المصري دائما، سواء عبد الناصر (الرئيس الأسبق جمال) أو السادات (الرئيس الأسبق محمد أنور السادات) أو مبارك، هو الفاعل الرئيس وصاحب القرار التوجيهي المؤثر في كل ما يتعلق بالشؤون الخارجية المصرية، كما أن هناك مؤسسات وأشخاصا يظهرون ويختفون طبقا لإرادة الرئيس".
ولاحظ أبو الغيط منذ الأسابيع الأولى لتوليه الوزارة أن "مبارك غير مهتم بالكثير من مسائل السياسة الخارجية وشخصياتها وقضاياها على المستوى الدولي، بينما كان أسيرًا لعلاقات مع شخصيات رئيسة، في مقدمتها: الرؤساء الفرنسيون كلهم، والمستشارون الألمان، وكبار مسؤولي إيطاليا".
ويفسر أبو الغيط تراجع الوجود المصري في المحافل الدولية ممثلا في شخص الرئيس بقوله: "كان الهاجس الأمني والملل الرئاسي وتقدم السن أقوى من أي محاولات لإعادة الرئيس (مبارك) لقلب الأحداث".
ويضيف "كنت أتابع وبإحباط كبير غياب الرئيس عن المشاركة في أي من القمم الكبرى التي كانت تعقد كل عام على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة كل سبتمبر/ أيلول، وتوقفه عن المشاركة في أي من القمم الإفريقية منذ محاولة اغتياله في أديس أبابا في عام 1995، الأمر الذي كان له تأثيره على الصورة العامة لاهتمام مصر بإفريقيا لدى الكثير من القادة الأفارقة".
ويستطرد "كان العالم يتغير وتنشأ به تحالفات وتجمعات وكيانات، وغابت مصر عنها بإرادتها على الرغم من دعوات المشاركة التي تلقيناها".
وركز أبو الغيط في شهادته على شخصية رئيس جهاز المخابرات العامة الراحل اللواء عمر سليمان الذي يقول عنه إنه "بات ذا تأثير واضح في عملية اتخاذ القرار في مصر منذ عام 1992 وتزايد تأثيره بعد فشل محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا في عام 1995".
ويروي في الكتاب أنه ومنذ توليه مهام وزارة الخارجية في يوليو/ تموز 2004 أدرك دور سليمان في "عملية صناعة القرار وقيادة الأمور في الكثير من ملفات الخارجية المصرية، وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقات المصرية الأمريكية وملف مياه النيل وملف القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل".
وهو ما يعبر عنه أبو الغيط قائلا "أدى خوض المخابرات المركزية الأمريكية وتكليفها بعملية تنظيم العلاقة بين العناصر الأمنية للسلطة الفلسطينية وإسرائيل فور نشوب الانتفاضة الفلسطينية الثانية (سبتمبر/أيلول 2000)، إلى دور كبير مساعد أيضا للمخابرات العامة المصرية، ومن ثم تنامي علاقة عمر سليمان مع جورج تينت، رئيس المخابرات المركزية آنذاك وكل من خلفوه، وأدى ذلك إلى تعزيز إضافي لوضعية عمر سليمان شخصيًا مع الأمريكيين وامتدادها بالتالي إلى وزراء الخارجية الأمريكيين الذين لهم دور رئيسي في ملف القضية الفلسطينية".
كما يتناول الكتاب التحديات التي واجهتها مصر في علاقاتها بالمنطقة العربية، خصوصا في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتداعيات هذا الغزو على العلاقات مع دول المنطقة، مؤكدا أن "علاقات مصر مع العالم العربي تمثل دائرة أولى للحركة الاستراتيجية، تستهدف الدفاع عن أمن وسلامة هذا الإقليم".
ولم يفت أبو الغيط التحدث عن علاقات مصر الإقليمية، خصوصا مع كل من إيران وتركيا، مؤكدا أن "الدبلوماسية المصرية تؤمن بأهمية وحيوية أن تسعى مصر لإقامة مثلث تعاون نشط بينها وبين تركيا وإيران، لخدمة ليس فقط إقليم الشرق الأوسط وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية له، بل أيضا لتأمين هذا الإقليم الإسلامي الكبير ضد التدخلات الخارجية".