غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
- يحتاج قطاع غزة إلى نحو 500 ميغاواط من الكهرباء، بينما لم يكن يتوفر قبل الحرب سوى قرابة 200 ميغاواط،
- أكثر من 80 بالمئة من مكونات قطاع الكهرباء تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة.
- خسائر قطاع الكهرباء بلغت نحو 728 مليون دولار
- المولدات الكهربائية التجارية تواجه صعوبات متزايدة بسبب نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل وشح قطع الغيار
- المخابز ومصانع الأغذية ومحال التبريد والقطاع الزراعي تواجه تحديات تشغيلية كبيرة ما يفاقم معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي.
مع حلول المساء في قطاع غزة، تغرق معظم الأحياء في الظلام، بينما تعتمد آلاف الأسر على بطاريات صغيرة أو ألواح شمسية لتوفير الحد الأدنى من الإنارة وشحن الهواتف المحمولة.
وفي المنازل المتضررة والخيام ومراكز الإيواء، باتت تفاصيل الحياة اليومية ترتبط بما يتوافر من طاقة، بعد انقطاع التيار الكهربائي بالكامل منذ بدء الحرب الإسرائيلية في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأدت الحرب إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية لقطاع الكهرباء، وتوقف محطة التوليد الوحيدة، وخروج معظم شبكات النقل والتوزيع عن الخدمة، لتتحول أزمة الكهرباء إلى واحدة من أكثر تداعيات الحرب تأثيرا على مختلف جوانب الحياة.
وقبل الحرب، كان قطاع غزة يعاني أصلا من عجز مزمن في الكهرباء، إذ لم تكن ساعات الوصل تتجاوز في أفضل الأحوال بين 8 و12 ساعة يوميا، نتيجة محدودية الإنتاج والقيود المفروضة على الوقود والبنية التحتية.
ومع اندلاع الحرب، أوقفت إسرائيل تزويد القطاع بالكهرباء، فيما خرجت خطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع عن الخدمة بفعل القصف، واقتصرت الإمدادات التي استؤنفت لاحقا على كميات محدودة خُصصت في فترات متقطعة لبعض مرافق تحلية المياه.
ووفق بيانات سلطة الطاقة، يحتاج قطاع غزة إلى نحو 500 ميغاواط من الكهرباء، بينما لم يكن يتوفر قبل الحرب سوى قرابة 200 ميغاواط، معظمها من إسرائيل، إضافة إلى إنتاج محدود من محطة التوليد وخطوط التغذية المصرية.
ووفق شركة توزيع كهرباء محافظات غزة، تعرضت أكثر من 80 بالمئة من مكونات قطاع الكهرباء للتدمير أو لأضرار جسيمة.
وقدرت الشركة خسائر القطاع بنحو 728 مليون دولار، مؤكدة أن إعادة تشغيل الشبكة تتطلب إعادة إعمار واسعة وإدخال معدات ثقيلة وقطع غيار وكوابل ومحولات.
وفي السياق، قدّر تقييم صادر عن الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 71.4 مليار دولار، فيما يُعد قطاع الطاقة من أكثر القطاعات تضررا.
البطاريات والمولدات
ومع استمرار الانقطاع، أصبحت البطاريات الصغيرة والألواح الشمسية الوسيلة الرئيسية لتوفير الحد الأدنى من الكهرباء داخل المنازل، لتشغيل مصابيح الإنارة لساعات محدودة، وتشغيل المراوح خلال موجات الحر، وشحن الهواتف التي باتت وسيلة أساسية للتواصل مع الأقارب وفرق الإغاثة.
غير أن ارتفاع أسعار البطاريات والألواح الشمسية والوقود، إلى جانب تضرر أعداد كبيرة من الأنظمة الشمسية، حدّ من قدرة كثير من العائلات على توفير هذه البدائل.
كما لجأ السكان إلى خدمات المولدات الكهربائية التجارية، إلا أنها تواجه صعوبات متزايدة بسبب نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل وشح قطع الغيار والزيوت المعدنية.
وحذر الاتحاد في بيان مطلع يونيو/حزيران الماضي من أزمة ذات تداعيات خطيرة في حال خروج المولدات الكهربائية بالكامل من الخدمة نتيجة النقص الحاد في زيوت المحركات وقطع الغيار الأساسية.
وأضاف أن "أصحاب المولدات يعملون في ظروف معقدة تشمل صعوبة الحصول على الوقود، ودمارا واسعا للبنية التحتية، وقيودا إسرائيلية شديدة على إدخال المعدات وقطع الغيار، واقتصادا منهارا واحتياجات هائلة".
وحذر الاتحاد من أزمة وشيكة ذات تداعيات خطيرة، في حال توقف وشيك للمولدات الكهربائية بالكامل وإخراجها عن الخدمة نتيجة النقص الحاد في زيوت المحركات وقطع الغيار الأساسية اللازمة للصيانة.
القطاع الصحي
وامتدت آثار انقطاع الكهرباء إلى القطاع الصحي، حيث تعتمد المستشفيات بصورة شبه كاملة على المولدات الكهربائية لتشغيل أقسامها الحيوية، في ظل نقص الوقود وقطع الغيار والزيوت المعدنية.
وتحذر المؤسسات الإنسانية من أن أي توقف للمولدات يهدد حياة المرضى، ولاسيما في أقسام العناية المركزة، وحضانات الأطفال، وغرف العمليات، ووحدات غسيل الكلى.
وفي هذا السياق، دعت وزارة الصحة بغزة، في بيان صدر نهاية مايو/أيار الماضي، إلى تدخل عاجل للضغط على إسرائيل من أجل السماح بإدخال قطع الغيار ومستلزمات صيانة المولدات.
وأكدت أن المولدات تعمل بأقصى طاقتها منذ أشهر، وأن استمرار عمل المستشفيات بات مرهونا بتوفير مستلزمات صيانتها.
كما تواجه مرافق المياه والصرف الصحي ومحطات التحلية صعوبات كبيرة في التشغيل نتيجة غياب الكهرباء، الأمر الذي ينعكس على إنتاج المياه النظيفة ويزيد من المخاطر الصحية والبيئية.
أزمة مياه متفاقمة
ولا تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على القطاع الصحي، بل تمتد إلى مرافق المياه والصرف الصحي ومحطات التحلية التي تعتمد بشكل أساسي على الطاقة الكهربائية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80 بالمئة من مرافق وشبكات المياه والتحلية تعرضت للتدمير أو التعطل، فيما انخفض متوسط حصة الفرد اليومية من المياه إلى أقل من 6 لترات، مقارنة بنحو 85 لترا قبل الحرب، وهو مستوى يقل كثيرًا عن الحد الأدنى اللازم لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويواجه سكان غزة أزمة خانقة في الحصول على المياه، تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب عليها خلال فصل الصيف.
شلل اقتصادي
وأدى غياب الكهرباء أيضا إلى توقف آلاف الورش والمنشآت الصناعية الصغيرة عن العمل، وإغلاق عدد كبير من المحال التجارية، فيما تعتمد المنشآت التي لا تزال تعمل على مولدات تستهلك وقودًا مرتفع الكلفة.
كما تواجه المخابز، ومصانع الأغذية، ومحال التبريد، والقطاع الزراعي تحديات تشغيلية كبيرة، ما يفاقم معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي، ويزيد من صعوبة إنتاج الخبز وتوفيره، خاصة في مراكز الإيواء ومناطق نزوح السكان.
وبات انقطاع الكهرباء جزءا من تفاصيل الحياة اليومية في غزة، إذ يدرس الأطفال على ضوء البطاريات، ويواجه الطلبة صعوبات في متابعة تعليمهم وشحن أجهزتهم الإلكترونية.
كما تقضي العائلات أشهر الصيف في خيام تفتقر إلى وسائل التبريد، والشتاء دون وسائل تدفئة كهربائية، بينما ينتظر السكان لساعات أمام نقاط شحن الهواتف والبطاريات المنتشرة في الأسواق والمخيمات.
أزمة مرهونة بإعادة الإعمار
ويرى مختصون في قطاع الطاقة أن إعادة التيار الكهربائي إلى غزة لا تقتصر على إصلاح الأعطال، بل تتطلب إعادة بناء شبه كاملة للبنية التحتية، تشمل محطة التوليد، وخطوط النقل، ومحطات التحويل، وشبكات التوزيع، إلى جانب ضمان إدخال المعدات والوقود وقطع الغيار بصورة منتظمة.
وبموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الساري في القطاع منذ 10 أكتوبر الماضي، من المفترض أن تسمح إسرائيل بتدفق المواد الأساسية للإغاثة والإعمار وإصلاح شبكات الكهرباء والبنية التحتية.
غير أن إسرائيل تنصلت من التزاماتها، بحسب مؤسسات حكومية ومنظمات إنسانية، وواصلت فرض قيود مشددة على إدخال المساعدات والسلع التجارية المختلفة، فيما تمنع بشكل كامل إدخال المواد اللازمة للإغاثة وتأهيل شبكات البنى التحتية وإزالة الركام تمهيداً لإعادة الإعمار.
وإلى أن تبدأ عملية إعادة الإعمار، يبقى الظلام عنوانًا للحياة اليومية في غزة، حيث ترتبط أبسط تفاصيل المعيشة ببطارية صغيرة أو لوح شمسي قد ينفد شحنه في أي لحظة، فيما ينتظر أكثر من مليوني فلسطيني عودة الكهرباء التي غابت عن منازلهم منذ اندلاع الحرب.
news_share_descriptionsubscription_contact


