بين النار والجلد.. حرفية سورية تتمسك بفن تراثي مهدد بالاندثار (تقرير)
يمامة تركماني فنانة سورية تسعى لإحياء حرفة تقليدية نادرة مهددة بالاندثار وتعليمها للأجيال الجديدة
Eşref Musa, Hişam Sabanlıoğlu
08 أغسطس 2026•تحديث: 08 أغسطس 2026
İDLIB
حلب/ أحمد قره أحمد / الأناضول
* تركماني للأناضول:
حرفة الحرق على الجلد كانت شبه غائبة في حلب رغم قدمها تاريخيا
الحرفة كادت تُنسى في حلب وأرغب في نشرها
توفير المواد المناسبة يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا الفن
أريد تعليم هذه الحرفة للشباب، حتى لو كان ذلك مجانًا لأنها يجب أن تستمر
داخل ورشة صغيرة بمدينة حلب شمالي سوريا، تواصل الفنانة يمامة تركماني ممارسة فن الحرق على الجلد، أحد أندر الحرف التقليدية التي تراجعت أعداد العاملين بها خلال العقود الأخيرة.
ومن خلال تحويل الجلد الطبيعي إلى لوحات وقطع زخرفية باستخدام الحرارة والعمل اليدوي، تسعى إلى الحفاظ على هذا الإرث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة، رغم التحديات التي تواجهها، وفي مقدمتها صعوبة الحصول على المواد الخام.
** أساسيات المهنة
وتعتمد هذه الحرفة على استخدام أدوات معدنية تُسخّن بدرجات حرارة محددة ثم تُطبق على سطح الجلد الطبيعي لرسم الزخارف والتفاصيل الفنية.
ويحتاج الحرفيون في هذا المجال إلى دقة عالية في التحكم بدرجة حرارة الأداة المستخدمة وقوة الضغط على الجلد، بهدف إنتاج تفاصيل دقيقة وتدرجات لونية مختلفة.
ورغم أن هذا الفن كان معروفا في المنطقة خلال فترات سابقة، فإن عدد العاملين به حاليا أصبح محدودا للغاية.
** ورشة فنية عائلية
وتواصل تركماني، البالغة من العمر 53 عاما، وهي أم لأربعة أبناء ومعلمة متقاعدة للفنون والحرف اليدوية، أعمالها في ورشتها بمدينة حلب، حيث تشكل الجلد الطبيعي يدويا وباستخدام الحرارة لتحوله إلى قطع فنية.
وتعمل الفنانة إلى جانب بناتها على تنفيذ زخارف تقليدية على أسطح الجلد، بهدف الحفاظ على هذه الحرفة المهددة بالنسيان ونقلها إلى الأجيال المقبلة، إضافة إلى تعليمها للشباب.
وقالت تركماني للأناضول إنها تمارس هذا الفن منذ 26 عاما، موضحة أن حرفة الحرق على الجلد كانت شبه غائبة في حلب رغم قدمها تاريخيا.
وأضافت: "هذه الحرفة قديمة جدا، لكنها كادت تُنسى في حلب. كان هناك العديد من الأشخاص الذين يعملون في فن الحرق على الخشب، أما العاملون على الجلد فكانوا قليلين جدا".
** البداية
وأوضحت تركماني أن رحلتها الفنية بدأت من خلال تصميم حقائب جلدية لها ولبناتها، قبل أن تتوسع أعمالها نتيجة الإقبال الذي لاقته من المحيطين بها.
وأشارت إلى أنها بدأت لاحقا بإنتاج لوحات جدارية، وأعمال فنية للمكاتب والطاولات، وقطع ديكور خاصة، مؤكدة أنها سعيدة بالاهتمام الذي تحظى به أعمالها في المعارض التي تشارك فيها.
ولفتت إلى أن طلبات السوريين المقيمين خارج البلاد أثرت في طبيعة إنتاجها، قائلة: "لاحظت في المعارض أن القطع الصغيرة والخفيفة تحظى بإقبال أكبر، خصوصا من الأشخاص المقيمين في الخارج الذين يفضلون الأعمال التي يسهل نقلها، لذلك ركزت على هذه المنتجات".
** الفن المنسي
وأكدت تركماني رغبتها في نشر هذه الحرفة وتعليمها لعدد أكبر من الأشخاص، مشيرة إلى أنها دربت بناتها عليها، إلا أن ظروف دراستهن حدّت من إمكانية العمل معها بشكل مستمر.
وخلال حديثها عن الجذور التاريخية لفنون العمل على الجلد، أوضحت أن استخدام الجلد في النقوش والكتابات يعود إلى عصور قديمة.
وقالت: "هذه حرفة قديمة جدا، فمن المعروف أن أولى الكتابات وبعض الرسائل في التاريخ نُقشت على الجلد، لكن هذا الفن لم يحصل حتى اليوم على الاهتمام الذي يستحقه".
** أبرز التحديات
وأشارت الفنانة الحلبية إلى أن توفير المواد المناسبة يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا الفن، موضحة أنها تجد صعوبة في الحصول على جلد طبيعي غير مصبوغ.
وقالت: "يجب أن يكون الجلد الذي أعمل عليه طبيعيا، لكن معظم الجلود الموجودة في الأسواق مصبوغة، لذلك أضطر إلى تأمين الجلد المناسب بشكل خاص".
وأضافت أن طبيعة الجلد نفسه تجعل كل قطعة فريدة، إذ تؤثر عوامل مثل عمر الحيوان ونوعه والمنطقة التي أُخذ منها الجلد في شكل العمل النهائي.
وتابعت: "حتى لو نفذت التصميم نفسه، فمن المستحيل الحصول على قطعتين متطابقتين تماما، فكل قطعة تكتسب لونا وملمسا مختلفين".
** تعليم مجاني
ودعت تركماني الشباب إلى الاهتمام بالتراث الثقافي والحرف التقليدية، مؤكدة أن هذه الفنون يمكن الحفاظ عليها وتحويلها إلى مشاريع ناجحة من خلال مبادرات بسيطة.
وفي ختام حديثها قالت: "لدينا في ثقافتنا الكثير من الحرف اليدوية القيمة، ويمكننا تطويرها وتحويلها إلى مشاريع ناجحة. أريد تعليم هذه الحرفة للشباب، حتى لو كان ذلك مجانا، لأن هذه الحرفة يجب أن تستمر".