سارة آية خرصة
الرباط- الأناضول
لا تؤنسه غير ألوانه وأصباغه التي يمزجها بعناية، يصنع من خليطها لوحات ترسمهما فرشاته مستعينة بخياله، لا يغادر مرسمه حتى تكتمل كل تفاصيل لوحته، التي غالبا ما يكون موضوعاتها مستقاة من وحي أجواء قرية قرية إيتزر ( 400 كلم شمال الرباط) الجبلية النائية حيث يقيم في عزلة عن المدينة وصخبها.
وحول ذلك، يقول الفنان التشكيلي المغربي محمد آيت طالب (31 سنة) لمراسلة الأناضول: "أعشق الرسم، ودأبت على ممارسة هذه الهوابة منذ سن مبكرة، فعندما كنت صغيرا اعتدت أن أمسك الأعواد وأخط الوجوه على التراب، الآن طورت هذه الموهبة الفطرية وصرت أرسم على الورق".
يلتقف "طالب" قلمه، وبلمسات سريعة ومتقنة يخط معالم تقاسيم شيخ طاعن في السن على ورقته البيضاء، يستغرق في الكشف عن تجاعيد قسمات الشيخ عبر تقنيات الضوء والظل، التي يقول إنه لم يتلقى دروسا فيها بأي مدرسة خاصة للفنون الجميلة، بل هي موهبة فطرية صقلها عبر الممارسة والتدريب.
ويضيف: "أغلب شباب القرية عاطلون عن العمل ويعانون الإحباط بسبب انعدام فرص العمل أو مهارات تؤهلهم للحصول على حياة أفضل، أغلبهم يزاولون حرف تقليدية أو يعملون في الحقول المجاورة".
"طالب" الذي قلما استطاع أن يبيع بعض لوحاته الفنية للمعجبين، كما لم يتمكن من تنظيم معرض فني خاص به حتى اليوم، يتابع قائلا إنه كلما تأمل لوحاته المتراصة على جوانب غرفته، زاد أمله أن يرمقها يوما وهي معروضة في إحدى دور العرض بالعاصمة المغربية، ويتمنى في ذات الوقت أن يجد الفنانون في القرى المعزولة والبعيدة عن المراكز الثقافية النشطة في المغرب، اهتماما أوسع وعناية خاصة من أجل تشجيعهم على الإبداع، فمواهبهم الفطرية هي الأقرب إلى أحساسيس الناس وذوقهم الفني، بحسب قوله.
ومن شرفة منزله المتواضع على سفح إحدى جبال الأطلس المتوسط في عمق الشمال المغربي، تتبدى لـ "طالب" قمم الجبال المكسوة بالثلوج، وقطعان الأغنام التي تلحقها نسوة القرية على عجل في طريقها نحو المراعي، كل ما تقع عليه عينيه يترجمه على لوحة رسمه.
ويشير إلى أنه حين يشرع في رسم لوحاته يحرص على أن تنطق رسوماته بلسان حال الناس، فاللوحة في رأي الرسام التشكيلي المغربي "مجتمع حي يتحرك".
داخل القرية التي تطوقها جبال الأطلس المتوسط الشاهقة، ينغمس الناس في أشغالهم اليومية التي غالبا ما تكون في الحقول بين زرع وحرث وحصاد، أما "طالب"، الذي لا يسمح إلا لأبناءه الثلاثة بالدخول عليه في مرسمه، فاعتاد أن يصنع فرشاة رسمه بيده، وأن يلتمس من كل زائر لمدينة إفران المجاورة (شمال الرباط ) أن يأتي له ببعض أوراق الرسم، لكنه كثيرا ما رسم لوحات على أثواب وأسمال (ثياب بالية)، جمعها من بيته أو جاد بها عليه أحد من جيرانه.
يقول "طالب" إنه أفرد قسطا كبيرا من لوحاته التشكيلية للاهتمام بموضوع المرأة، على الرغم من أن مجتمعه القبلي في قريته يصنف تناول هذه الموضوعات ضمن لائحة المحظورات، ويصر على أن يرسم وجوه النسوة متخفية وراء لثام كما هي عادتهن التقليدية في القرية، كما تحاكي تلك الرسوم جمال الطبيعة الجبلية المغربية، وفي بعضها يستعين محمد ببعض من موادها الخام كالأصواف وأوراق الأشجار لتزين لوحاته، ليجعلها أقرب للواقع منها للتجريد.
ويلقب أهل القرية "طالب" بــ"الفنان"، دون اسمه الحقيقي، للشهرة التي اكتسبها بينهم بسبب انعزاله في مرسمه، ويحتفظ بعض أهل القرية، حسبما يقول محمد، بصورة تشكيلية لهم رسمها لبعض منهم، أو قدمها لأخرين هدية في بعض المناسبات.
لا يكل ولا يمل "طالب" من الرسم، يرخي السمع لأهازيج شعبية أمازيغية تذيعها الإذاعة الوطنية المغربية التي تصل موجاتها بصعوبة للقرية حيث يقيم هذا الفنان التشكيلي ذو الموهبة الفطرية، يغيب في لحظات صفاء ذهني، متأملا ورقته البيضاء، وحينها يبدأ في تحديد معالم لوحته الجديدة، على الرغم من أنه يعرف أنها ستضاف لأخريات، لتركن مثلهن في رف مرسمه دون أن تجد طريقها للعرض، إلا أنه يصر على مواصلة الرسم، وخلط الألوان.