Leila Thabti
09 مارس 2017•تحديث: 09 مارس 2017
ليلى الثابتي/ الأناضول
مع أن السنوات الخمس الأخيرة بدت صعبة بالنسبة لفرنسا على جميع الأصعدة، بما في ذلك السياسي والإقتصادي، إلا أن باريس استطاعت أن تبرز كقوّة مصدّرة للأسلحة، حيث باعت، العام الماضي، معدات عسكرية أبرزها مقاتلات رافال والغواصات الحربية، بما قيمته أكثر من 20 مليار يورو، مع ما يمكن أن يدرّه عليها ذلك من إيرادات خيالية.
رقم قياسي أعلنه وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لو دريان، في 19 يناير/ كانون ثان الماضي، مضيفا أن بلاده سبق وأن "حققت في 2015 حجم صادرات في قطاع التسليح بنحو 17 مليار يورو"، ما جعلها تصطف بثبات، خلف روسيا والولايات المتحدة، في مقدمة مصدري الأسلحة.
** صفقات ضخمة
وفي الواقع، فإن انتعاشة الصادرات الحربية لفرنسا تعود إلى صفقتين تعتبران بمثابة نقطة الإرتكاز لهذا القطاع.
ففي ديسمبر/ كانون أول 2016، وقّعت فرنسا واستراليا عقدا لتحديث أسطول غواصات البلد الأخير، قيمته 34.5 مليار يورو.
ولئن يعتبر هذا العقد الذي فازت به شركة "دي سي أن إس" الفرنسية المتخصصة في صناعات الدفاع البحرية، والمملوكة بنسبة 62 % من قبل الدولة الفرنسية، أضخم عقد تسلح في تاريخ أستراليا، إلا أنه شكّل إحدى النقاط المضيئة في السنوات الخمس الأخيرة بالنسبة لفرنسا.
وتشمل الصفقة 12 غواصة عابرة للمحيطات، يتجاوز وزن الواحدة الـ 4 آلاف طن، من طراز "كولينز" وتعمل بالديزل والكهرباء.
ووفق معطيات رسمية، فإن تنفيذ هذه الصفقة يتطلّب من الشركة الفرنسية نحو 4 ملايين ساعة عمل، ما يفرض آليا خلق من 3 آلاف إلى 4 آلاف موطن شغل في البلاد، وهذا ما يعتبر انجازا هاما في بلد تجاور فيه معدلات البطالة الـ 10 % (إلى حدود يناير/ كانون ثان الماضي).
قبل ذلك، وتحديدا في 23 سبتمبر/ أيلول 2016، وقعت فرنسا والهند صفقة بقيمة 8 مليار يورو، تحصل بموجبها نيودلهي من باريس على 36 طائرة رافال.
** الصادرات الحربية.. نقطة مضيئة في ولاية أولاند
انتعاشة صادرات الأسلحة في فرنسا يشبهها الإعلام المحلي بربيع يزهر في شتاء متقلّب، في إشارة إلى الأوضاع المهتزة التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع معدّلات البطالة وتباطؤ المؤشرات الاقتصادية الكلية، علاوة على الإشكالات ذات الصلة بالإرهاب وبالفوضى التي تعيشها بعض التيارات السياسية في البلاد.
"ربيع" تؤكّد توقّعات المختصين بأنه سيتواصل بالنظر إلى التصاعد اللافت للطلبيات على الأسلحة التي تصدّرها فرنسا، ما يعني أن صادرات البلاد في هذا المجال قطعت مع التراجع المخيف الذي شهدته قبل 2012، لتحقق منذ ذلك الحين قفزة جعلتها تتضاعف لـ 5 مرات.
فمنذ هذا العام الذي صعد فيه الرئيس الفرنسي الحالي، الإشتراكي فرانسوا أولاند، إلى الحكم، ضاعفت الشركات الفرنسية الناشطة في مجال الصناعات الحربية أرقام معاملاتها لـ 3 مرات، لتمر من 4.8 مليار يورو إلى 16.9 مليار في 2015، بحسب أرقام "الإدارة العامة للتسليح" التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية.
أرقام من المنتظر أن تفسح المجال أمام فرنسا لإحراز تقدّم في حجم صادرات أسلحتها، وفق مكتب الأبحاث والاستشارات الأمريكي "آي أيتش أس"، والذي ذكر في إحدى دراساته أن "فرنسا ستتمكّن في 2018 من التفوّق على روسيا في مجال تصدير معدات الدفاع، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود".
وأضافت الدراسة، نقلا عن المحلّل بالمكتب الأمريكي، بن موريس، أن "فرنسا استطاعت أن تنعش صناعتها الدفاعية، وحظيت بمبيعات ثابتة على مدى سنوات عديدة".
ولفتت أن "2014 و2015 كانا العامين الذين شهدا طفرة المبيعات في هذا المجال، بقيمة إجمالية بلغت 26 مليار يورو".
** جبهات القتال الخارجية لجذب الزبائن
ولجذب الزبائن، تعتمد باريس على منتجات أساسية تتصدّرها مقاتلات "رافال". فعقب سنوات صعبة، استطاعت طائرات شركة "داسو" الفرنسية الحصول على أسواق في كل من مصر (عقد موقّع في فبراير/ شباط 2015/ 24 مقاتلة) وقطر (عقد موقع في مايو/ أيار 2015/ 24 مقاتلة) والهند، حيث باعت ما لا يقل عن 84 مقاتلة في المجموع مقابل 19.3 مليار يورو.
ولإثبات نجاعة منتجاتها الحربية، لم تجد فرنسا أفضل من جبهات القتال لإختبار مقاتلات "رافال" التي استخدمتها في كل من إفريقيا الوسطى وليبيا وأفغانستان، إضافة إلى العراق وسوريا.
تقنية جعلت الكويت توقّع صفقة مع فرنسا، للحصول على 30 مروحية "كاراكال" بقيمة أكثر من مليار يورو، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الفرنسية في 9 أغسطس/ آب الماضي.
وتندرج الصفقة التي تضمّنت 24 مروحية للجيش و6 للحرس الكويتيين، ضمن اتفاقيات تجارية وقعتها فرنسا والكويت في أكتوبر/تشرين أول 2015 بقيمة إجمالية قدرها 2.5 مليار يورو.
وعموما، تعمل فرنسا على الاستفادة من النزاعات والتوتر والحروب التي تهز العالم، لتجعل من بؤر التوتّر فيه أسواقا لأسلحتها، وتنجح، العام الماضي، في دفع إيراداتها من بيع الأسلحة نحو أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب الباردة، وفق خبراء.
فالحضور العسكري الفرنسي في الخارج تواجد كان لابدّ وأن يدفع نحو تطوير تقنيات تصنيع معدّات عسكرية أكثر تطوّرا وملاءمة لأنواع مختلفة من جبهات القتال، كما مكّنت العمليات التي قادتها باريس ضدّ الإرهاب، مستهدفة تنظيم "داعش" على وجه الخصوص، من تثمين جودة المنتجات الفرنسية، حتى أن طائرات "رافال" المتروكة منذ زمن طويل باتت مطلوبة بشكل كبير.