أنقرة/ عمر فاروق يلدز، ديمتري جيرجيو/ الأناضول
القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وما يرافقه من تصعيد على أكثر من جبهة، يفاقم من مخاوف اندلاع حرب عالمية جديدة، كما يعيد للإذهان تفاصيل حقبة قاتمة من التاريخ الإنساني الحديث.
مرحلة سوداء تستعيدها الذاكرة الجماعية في شتى أنحاء العالم، في الثامن من مايو/أيار من كل عام، في ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية، وتتزامن هذا العام مع قرار يبدو أنه يدفع نحو تصعيد يتجاوز أبعاده السياسية والدبلوماسية، وينذر بكارثة إنسانية أخرى في حال لم يتّعظ العالم من دروس تلك الحرب.
** فاتورة باهظة
رغم مرور 73 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، إلا أن الآثار العميقة لهذه الحرب التي تعتبر الأكثر دموية في تاريخ البشرية، لا تزال موجودة حتى اليوم.
وتم الإعلان عن إنتهاء الحرب بتاريخ 8 مايو/ أيار عام 1945، إثر استسلام ألمانيا النازية التي كانت تقف في صفوف دول المحور إلى جانب اليابان وإيطاليا، في مواجهة دول التحالف، بقيادة بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي.
ومع أن ألمانيا أعلنت الاستسلام في الحرب، إلاّ أن حليفتها اليابان رفضت الخضوع واستمرت في القتال، لتشهد معها جبهة المحيط الهادئ المزيد من إراقة الدماء.
وبإلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على اليابان، راح ضحيتهما أكثر من 150 ألف شخص، رفعت طوكيو الراية البيضاء، لتُطوى معها صفحة الحرب العالمية الثانية بشكل كامل في 2 سبتمبر/ أيلول 1945.
وإلى اليوم، وبعد مرور 73 عاما، ما زال الأشخاص الذين عاصروا الحرب، أو أقارب الضحايا، يعيشون آلام الأزمة الإنسانية الأكبر عبر التاريخ.
واستمرت الحرب العالمية الثانية 6 أعوام اعتبارا من 1939، وشارك فيها نحو 70 مليون جندي من المحوريْن.
وتُعد الحرب الأكثر دموية عبر التاريخ، حيث خلفت أكثر من 60 مليون قتيل بين مدني وعسكري، ما يشكل نحو 3 بالمئة من إجمالي سكان العالم في تلك الحقبة، والبالغ عددهم 2.3 مليار نسمة.
وبسبب المجاعة والأمراض التي خلفتها الحرب، ارتفع عدد الضحايا في السنوات التالية، ليقترب من حاجز الـ 80 مليون شخص في المجموع.
كما أسفرت سياسات التهجير والطرد، عن رحيل ملايين الأشخاص من ديارهم وأوطانهم، حيث اضطر الكثير من اليهود، بسبب السياسات العنصرية للنازيين، لترك أراضيهم في مناطق متنوعة بأوروبا، كما اُجبر الكثير من المدنيين على التهجير في كل من فنلندا وبولندا وصربيا والمجر.
** معسكرات الموت
تعتبر المجازر التي وقعت في معسكرات الاعتقال والموت التي أسسها النازيون في دول عدة خلال الحرب، من أهم الآلام الإنسانية الراسخة في أذهان البشر حتى اليوم.
ويُعد معسكر "أوشفيتز- بيركينو" النازي في بولندا أكبر هذه المعسكرات، حيث قُتل فيها 1.1 مليون شخص من أصل 1.3 مليون معتقل.
ونفذ النازيون في معسكرات الموت عمليات قتل ممنهج بحق اليهود بشكل خاص، فضلا عن أعراق بشرية أخرى، حيث قتلوا ملايين الأشخاص، كما أجروا تجارب على المعتقلين، وأحرقوا جثث القتلى، ما جعل المعسكرات تُصنف على أنها مسرح لأكبر المآسي الإنسانية عبر التاريخ.
وقُتل خلال الحرب العالمية الثانية نحو 6 ملايين يهودي، حيث اعترفت الأمم المتحدة فيما بعد بالمجارز بحق اليهود على أنها "عملية إبادة/ هولوكوست".
بدورها، الولايات المتحدة اعتقلت، خلال الحرب، نحو 127 ألف ياباني على أراضيها في معسكرات المراقبة، لقي ألف و800 شخص منهم حتفه بسبب المعاملة السيئة والتعذيب ونقص التغذية.
** إنفاق عسكري ضخم
تحمل الحرب العالمية الثانية أهمية خاصة أيضا من حيث الإنفاق العسكري الضخم من قِبل الدول المتصارعة.
الولايات المتحدة أنفقت على تلك الحرب حوالي 341 مليار دولار، من أصل ميزانيتها الإجمالية البالغة تريليون دولار.
بينما أنفقت ألمانيا أكثر من نصف ميزانيتها، أي 272 مليار من أصل 400 مليار دولار، والاتحاد السوفيتي 192 مليار من أصل 350 مليار، وبريطانيا 120 مليار من أصل 340 مليار دولار.
وأنتجت الولايات المتحدة خلال الحرب 300 ألف طائرة حربية، و89 ألف دبابة، و363 ألف سلاح ثقيل، في حين أنتج الاتحاد السوفيتي 120 ألف طائرة، و660 ألف سلاح ثقيل.
أما ألمانيا، فقد صنعت 104 ألف طائرة، و65 ألف دبابة، و255 ألف سلاح ثقيل.
كما تم، خلال الحرب نفسها، استخدام ملايين القنابل، حيث ألقت دول التحالف فقط نحو 3.4 مليون طنا من المتفجرات على قوات المحور.
** آثار وخيمة على الاقتصاد العالمي
انخفض الإنتاج الصناعي والزراعي في الدول المشاركة بالحرب بشكل كبير، حيث تراجعت نسبة البنى التحتية الصناعية فيها بمعدل 70 بالمئة عقب الحرب.
وتم تخصيص دفاتر للخبز في الكثير من الدول المشاركة بالحرب، وارتفعت أسعار اللحوم بشكل هائل، كما بلغت أزمة نقص الأغذية ذروتها خاصة في كل من إيطاليا والنمسا ودول شرق أوروبا.
وتناقص عدد السكان في الاتحاد السوفييتي بحوالي 27 مليون نسمة، كما فقد معظم مصادره المالية تقريبا خلال الحرب.
** الأمراض.. مأساة أخرى
مأساة أخرى خلفتها الحرب العالمية الثانية تتمثل في المجال الصحي، حيث أسفرت عن إصابة الآلاف بأمراض قاتلة، فضلا عن حالات الإعاقة، والإصابة بالأزمات النفسية.
وانتشرت الملاريا بين الجنود الأمريكيين واليابانيين في جبهة المحيط الهادئ، في حين حصد حمى التيفوس أرواح المئات في أوروبا وشمال إفريقيا.
كما استمرت المخاطر الصحية التي خلفتها القنبلتين الذريتين في مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين عام 1945، لعشرات السنين بعد الحرب.
وأسفرت القنبلتين عن تشوهات جسدية، وإعاقات، وأمراض عديدة في مقدمتها السرطان.
** خارطة أوروبية متغيرة ونظام عالمي جديد
أدى انتصار دول التحالف بالحرب إلى القضاء على خطر ألمانيا النازية، كما ساهم انتشار الإيديولوجيا الشيوعية السوفييتية عقب الحرب، في ظهور نظام عالمي جديد.
وإن جاز التعبير، رسم كل من قادة الدول "الثلاث الكبرى" الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا، خريطة العالم الجديد، إثر مؤتمرات عقدوها في الفترة بين 1943 و1945، مثل مؤتمر طهران (إيران)، وموسكو (روسيا) ويالطا (شبه جزيرة القرم) وبوتسدام (ألمانيا).
وبموجب النظام الجديد، خضعت كل من رومانيا ويوغسلافيا والمجر وبلغاريا، إلى جانب دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا ولتوانيا) لسيطرة الاتحاد السوفييتي، في حين تُركت السيطرة على دول غرب أوروبا لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا.
كما انقسمت ألمانيا إلى دولتين (شرقية وغربية)، وتم إخضاعها لسيطرة 4 دول، حيث أحكم الاتحاد السوفييتي سيطرته على ألمانيا الشرقية، فيما خضع القسم الغربي لواشنطن ولندن وباريس.
ومع استمرار سياساته التوسعية في السنوات التالية للحرب، ساهم الاتحاد السوفييتي في بدء مرحلة انقسام العالم إلى قطبين.
وأصبحت الولايات المتحدة، عقب الحرب، قوة عظمى، لتخطف بذلك دور "قيادة العالم" من بريطانيا، وتترأس المحور الغربي في مواجهة الاتحاد السوفييتي.
ونتيجة ذلك، بدأت مرحلة الحرب الباردة بين الكتلة الغربية برئاسة الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، في خمسينيات القرن الماضي.
news_share_descriptionsubscription_contact
