لندن/ أصلي أرال/ الأناضول
أوضح أكاديميون غربيون، يعملون على دراسة أحداث عام 1915، أن الطلبات التي تقدموا بها لإدارة الأرشيف الوطني في كل من فرنسا والولايات المتحدة، لتدقيق الوثائق المتعلقة بأحداث 1915، قوبلت إما بالرفض أو بعدم الرد، وأشاروا إلى أن الأمر ذاته لا ينطبق على الأرشيف العثماني، حيث طالما فتحت تركيا أبواب أرشيفها أمام جميع الباحثين والأكاديميين، ومكنتهم من الوصول إلى جميع الوثائق وقتما أرادوا.
جاء ذلك في لقاء أجراه باحثون غربيون مع مراسل الأناضول في العاصمة البريطانية "لندن"، حيث شدد الأكاديمي والمؤرخ الفرنسي والباحث في مركز أوراسيا للدراسات الفكرية "ماكسيم غاودي"، على أن تركيا بذلت حتى الآن جهودًا جمة لتطبيع العلاقات مع أرمينيا، وأن الوقت قد حان لتتخذ أرمينيا خطوات مماثلة تجاه تركيا.
وأضاف "غاودي" أن الطلبات التي تقدم بها لإدارة الأرشيف الوطني في كل من فرنسا، والولايات المتحدة، لتدقيق الوثائق المتعلقة بأحداث 1915، قد قوبلت إما بالرفض أو بعدم الرد، مشيرًا إلى أن تركيا طالمت فتحت أبواب أرشيفها أمام جميع الباحثين والأكاديميين، ومكنتهم من الوصول إلى جميع الوثائق وقتما أرادوا.
وأعرب "غاودي" عن اعتقاده بأن الحكومة الأرمينية، والرئيس الأرميني "سيرج سركسيان" لا يرغبان بتطبيع علاقات بلادهم مع تركيا، مرجعًا ذلك إلى نقطتين أساسيتين، الأولى هي أن الرواية الأرمنية بشأن أحداث عام 1915 باتت تشكل هوية قومية بالنسبة لأرمينيا والجاليات الأرمنية حول العالم، والثانية هي أن السياسة الخارجية لأرمينيا تقوم على المطالبة بالمناطق الشرقية لتركيا، وقد وضعت لتلك المناطق اسم "أرمينيا الغربية"، لذا فإن مسألة أحداث 1915 بالنسبة لأرمينيا والجاليات الأرمنية ليست قضية تاريخية بقدر ما هي قضية وجود وعنصر يوحد جميع الأطياف في أرمينيا ودول المهجر.
ونوه "غاودي" خريج قسم التاريخ في جامعة السوربون الباريسية، إلى أهمية دراسة أحداث عام 1915 من قبل المؤرخين والأكاديميين، وأن تركيا طالما فتحت الطريق أمام جميع الأكاديميين والمؤرخين من أجل دراسة أرشيفها، حاثًّا بقية الأطراف على احتذاء حذو تركيا في هذا المجال.
أما المؤرخ الأيرلندي الدكتور "باتريك والش"، فاعتبر أن مناسبة استحضار ذكرى قتلى أحداث عام 1915 في الأناضول، يجب أن تكون خطوة مهمة على صعيد دفع عملية تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا قدمًا نحو الأمام، قائلًا: "لا شك أن أحداث 1915 كانت مأساة لكل من المسيحيين والمسلمين، إلا أن وصفها بـ "الإبادة العرقية" لن يعود بالفائدة على أي من الأطراف، خاصة وأن الجميع يعلم الدور الذي لعبته روسيا كقوة عظمى في تلك الأحداث، كما أن تركيا ليست هي الجهة المعنية الوحيدة في تلك الأحداث، التي راح ضحيتها الكثير من الضحايا الأتراك، والأرمن، والأكراد".
ونوه "والش"، إلى أن "الحقائق التاريخية تؤكد على أن الأرمن الذين كانوا يعيشون في الإمبراطورية العثمانية، قد دخلوا في مقامرة من خلال تحالفهم مع قوات الحلفاء (إبان الحرب العالمية الأولى) التي وعدتهم زورًا بإقامة دولة أرمنية على أنقاض الدولة العثمانية، لتقوم باستغلالهم في حربها، وكان على الأرمن أن يفهموا استحالة إقامة مثل هذا المشروع على أرض هم فيها أقلية أصلًا، إلا أنهم فضلوا المقامرة والمراهنة على قوات دول الحلفاء فخسروا الرهان".
وشدد المؤرخ الأيرلندي على أن سياسة بريطانيا في مطلع القرن العشرين، كانت تعتمد على إثارة بؤر القلاقل في المنطقة، وأن منحها الضوء الأخضر لروسيا للتدخل في الدولة العثمانية، جعل الأرمن يعتقدون بإمكانية إقامة دولة أرمنية على أنقاض الدولة العثمانية بدعم روسي - بريطاني.
ما الذي حدث في 1915؟
تعاون القوميون الأرمن، مع القوات الروسية بغية إنشاء دولة أرمنية مستقلة في منطقة الأناضول، وحاربوا ضد الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى التي انطلقت عام 1914.
وعندما احتل الجيش الروسي، شرقي الأناضول، لقي دعمًا كبيرًا من المتطوعين الأرمن العثمانيين والروس، كما انشق بعض الأرمن الذين كانوا يخدمون في صفوف القوات العثمانية، وانضموا إلى الجيش الروسي.
وبينما كانت الوحدات العسكرية الأرمنية، تعطل طرق امدادات الجيش العثماني اللوجستية، وتعيق تقدمه، عمدت العصابات الأرمنية إلى ارتكاب مجازر ضد المدنيين في المناطق التي احتلوها، ومارست شتى أنواع الظلم بحق الأهالي.
وسعيًا منها لوضع حد لتلك التطورات، حاولت الحكومة العثمانية، إقناع ممثلي الأرمن وقادة الرأي لديهم، إلا أنها لم تنجح في ذلك، ومع استمرار هجمات المتطرفين الأرمن، قررت الحكومة في 24 نيسان/ أبريل من عام 1915، إغلاق ما يعرف باللجان الثورية الأرمنية، واعتقال ونفي بعض الشخصيات الأرمنية البارزة. واتخذ الأرمن من ذلك التاريخ ذكرى لإحياء "الإبادة الأرمنية" المزعومة، في كل عام.
وفي ظل تواصل الاعتداءات الأرمنية رغم التدابير المتخذة، قررت السلطات العثمانية، في 27 مايو/ آيار، من عام 1915، تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب، والمتواطئين مع جيش الاحتلال الروسي، ونقلهم إلى مناطق أخرى داخل أراضي الدولة العثمانية.
ومع أن الحكومة العثمانية، خططت لتوفير الاحتياجات الانسانية للمهجّرين، إلا أن عددًا كبيرًا من الأرمن فقد حياته خلال رحلة التهجير بسبب ظروف الحرب، والقتال الداخلي، والمجموعات المحلية الساعية للانتقام، وقطاع الطرق، والجوع، والأوبئة.
وتؤكد الوثائق التاريخية، عدم تعمد الحكومة وقوع تلك الأحداث المأساوية، بل على العكس، لجأت إلى معاقبة المتورطين في انتهاكات ضد الأرمن أثناء تهجيرهم، وجرى إعدام المدانين بالضلوع في تلك المأساة الإنسانية، رغم عدم وضع الحرب أوزارها.
وعقب انسحاب روسيا من الحرب جراء الثورة البلشفية عام 1917 تركت المنطقة للعصابات الأرمنية، التي حصلت على الأسلحة والعتاد الذي خلفه الجيش الروسي وراءه، واستخدمتها في احتلال العديد من التجمعات السكنية العثمانية.
وبموجب معاهدة سيفر التي اضطرت الدولة العثمانية على توقيعها، تم فرض تأسيس دولة أرمنية شرقي الأناضول، إلا أن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ، ما دفع الوحدات الأرمنية إلى إعادة احتلال شرقي الأناضول، وفي كانون الأول/ديسمبر 1920 جرى دحر تلك الوحدات، ورسم الحدود الحالية بين تركيا وأرمينيا لاحقًا، بموجب معاهدة غومرو، إلا أنه تعذر تطبيق المعاهدة بسبب كون أرمينيا جزءًا من روسيا في تلك الفترة، ومن ثم جرى قبول المواد الواردة في المعاهدة عبر معاهدة موسكو الموقعة 1921، واتفاقية قارص الموقعة مع أذربيجان وأرمينيا، وجورجيا، لكن أرمينيا أعلنت عدم اعترافها باتفاقية قارص، عقب استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، عام 1991.
الحاجة إلى ذاكرة عادلة والتفهم المتبادل
وتطالب أرمينيا واللوبيات الأرمنية في أنحاء العالم بشكل عام، تركيا بالاعتراف بأن ما جرى خلال عملية التهجير على أنه "إبادة عرقية"، وبالتالي دفع تعويضات.
وبحسب اتفاقية 1948، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص منع جريمة الإبادة العرقية والمعاقبة عليها، فإن مصطلح الإبادة العرقية، يعني التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية.
وتؤكد تركيا عدم إمكانية اطلاق صفة الإبادة العرقية على أحداث 1915، بل تصفها بـ"المأساة" لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيدًا عن الصراعات السياسية، وحل القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة" الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهم كل طرف ما عاشه الطرف الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لدى كل طرف.
كما تقترح تركيا القيام بأبحاث حول أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، إضافة إلى الأرشيفات التركية والأرمنية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراك وأرمن، وخبراء دوليين.
يريفان لم تنتهز فرصة تطبيع العلاقات
شهد عام 2009 أهم تطور من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين، حيث وقع الجانبان بروتوكولين من أجل إعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية، وتطوير العلاقات الثنائية، في تشرين الأول/أكتوبر، بمدينة زيورخ السويسرية.
ويقضي البروتوكولان، بإجراء دراسة علمية محايدة للمراجع التاريخية والأرشيفات، من أجل بناء الثقة المتبادلة وحل المشاكل الراهنة، فضلًا عن الاعتراف المتبادل بحدود البلدين، وفتح الحدود المشتركة.
كما نصّ البروتوكولان على التعاون في مجالات السياحة والتجارة، والاقتصاد، والمواصلات، والاتصالات، والطاقة والبيئة، والإقدام على خطوات من أجل تطبيع العلاقات انطلاقًا من المشاورات السياسية رفيعة المستوى وصولًا إلى برامج التبادل الطلابي.
وأرسلت الحكومة التركية، البروتوكلين إلى البرلمان مباشرة من أجل المصادقة عليهما، فيما أرسلت الحكومة الأرمنية، نصيهما إلى المحكمة الدستورية من أجل دراستهما، وحكمت المحكمة أن البروتوكلين لا يتماشيان مع نص الدستور وروحه.
وبررت المحكمة قرارها بإعلان الاستقلال الذي ينص على "مواصلة الجهود من أجل القبول بالإبادة العرقية في الساحة الدولية"، والذي يعتبر شرقي تركيا جزءًا من الوطن الأرمني، تحت مسمى "أرمينيا الغربية".
وأعلنت أرمينيا تجميد عملية المصادقة على البروتوكلين، في كانون الثاني/يناير عام 2010، وبعد 5 أعوام سحبتهما من أجندة البرلمان، في شباط/ فبراير المنصرم.
وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، زار أرمينيا عام في كانون الأول/ديسمبر 2013 بصفته وزيرًا للخارجية في تلك الفترة، وأكد في تصريح صحفي، عقب الزيارة، ضرورة حل القضية عبر تبني موقف عادل وإنساني، بعيدًا عن المقاربات أحادية الجانب، والتقييمات الظرفية، منوهًا أنه لا يمكن صياغة التاريخ إلا عبر ذاكرة عادلة.
بدوره أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن تعازيه لكافة مواطني الدولة العثمانية الذي فقدوا حياتهم إبان الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسهم الأرمن، ووجه دعوة من أجل السلام والتصالح، في رسالة بتاريخ 23 نيسان/ابريل 2014، عندما كان رئيسًا للوزراء.
news_share_descriptionsubscription_contact
