القدس/عبد الرؤوف أرناؤوط/الأناضول
بدأ "الوضع القائم"، أو "استاتيسكو" بالإنجليزية، في المسجد الأقصى، بمدينة القدس الشريف، في العهد العثماني واستمر خلال فترة الانتداب البريطاني، والحكم الأردني وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى 2000.
ويقول المهندس عدنان الحسيني، وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة، للأناضول إن "الوضع القائم هو الذي ساد في المسجد الأقصى منذ العهد العثماني (1516-1917)، واستمر إلى فترة الانتداب البريطاني (1917-1948) والحكم الأردني (1948-1967)، إلى أن جاء الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم انتهكته الحكومة الإسرائيلية بشكل فظ في العام 2000".
فعلى مدى جميع الحُقب التاريخية التي مرت على القدس، تولت إدارة الأوقاف الإسلامية في المدينة، المسؤولية الكاملة عن الأقصى التي تبلغ مساحته 144 دونمًا.
ومنذ العام 1948 وحتى الآن تتبع هذه الإدارة لوزارة الأوقاف الأردنية، إلا أن "الوضع القائم" لم يعد قائمًا.
وليس ثمة وثيقة أو اتفاق حول ماهية "الوضع القائم"، غير أن الحسيني الذي تولى إدارة الأوقاف في الفترة ما بين 1989 وحتى 2007، يوضح أنه "يعني أن إدارة الأوقاف الإسلامية هي المسؤولة عن كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى دون تدخل من أية جهة، هكذا كان الأمر على مدى مئات السنين، وهكذا يجب أن يكون".
وفي تقرير لها وصلت نسخة منه للأناضول في وقت سابق، قالت مجموعة الأزمات الدولية، التي تتخذ من بروكسل مقرًا لها: "عندما انتقلت القدس، ومعها الحرم الشريف، من العثمانيين إلى البريطانيين في نهاية الحرب العالمية الأولى، ظلت إدارة الأماكن المقدسة دون تغيير تقريبًا، وفي ظل الحكم البريطاني، والأردني، استمرت الأوقاف الإسلامية بإدارة الشؤون اليومية للموقع".
ووفق ما كتبه المحامي خالد رمضان زباريقة ، المختص في شؤون المسجد والأقصى، في مقال أرسل نسخة منه للأناضول، فإن جذور مصطلح "الوضع القائم"، والذي ينطبق على المسجد الأقصى المبارك، تعود إلى "ما كان عليه المسجد منذ الحكم العثماني حتى عام 1917، ثم الانتداب البريطاني، ثم ساد هذا الوضع في ظل الحكم الأردني، وعندما احتلت اسرائيل مدينة القدس عام 1967 تم الإعلان عن احترام هذا الوضع للمسجد الأقصى".
ويُشار إلى العام 2000، باعتباره نقطة مفصلية، لأنه في سبتمبر/أيلول من ذلك العام، اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرئيل شارون، ساحات المسجد الأقصى، تحت حراسة قوات كبيرة من الشرطة الإسرائيلية، ما شكّل شرارة انطلاق للانتفاضة الفلسطينية الثانية التي سميت بـ"انتفاضة الأقصى".
وردًا على هذه الخطوة الإسرائيلية، ومنعًا لمزيد من التوتر في ساحات الأقصى، بادرت إدارة الأوقاف الإسلامية في القدس إلى إلغاء برنامج السياحة لغير المسلمين في ساحات المسجد.
وفي هذا الصدد، يشير الحسيني أن برنامج السياحة الذي كان مطبقًا حتى العام 2000، "كان يقضي بسماح الأوقاف الإسلامية للسياح الأجانب بدخول المسجد الأقصى، مقابل تذاكر يتم بيعها في ساحات المسجد، وأن يلزم السياح بآداب الزيارة، وأن تشرف الأوقاف بالكامل على هذا البرنامج، حيث يرافق حراسها السياح خلال جولاتهم".
ويلفت المسؤول الفلسطيني أن اليهود الذين كانوا يدخلون، كانوا كغيرهم من السياح، مستطردًا "آنذاك لم يكن عدد اليهود الذين يدخلون أكثر من عدد أصابع اليد الواحدة".
ولتقلص عدد اليهود الذين يقتحمون المسجد آنذاك، ما يبرره، إذ أن حاخامات إسرائيل كانوا قد أصدروا فتوى بعدم جواز الدخول إلى ساحات المسجد لأسباب دينية.
وشذّ عن هذه القاعدة عدد قليل من المتشددين الإسرائيليين، وعلى رأسهم جمعية "أمناء الهيكل" (اليمينية)، برئاسة غرشون سلمون، التي كانت تنشط في الدعوة لبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى.
وما زالت الجمعية قائمة حتى الآن، لكنها لم تعد وحيدة في مواقفها، إذ أنه على مدى السنوات الماضية ازداد عدد الإسرائيليين الذين يدعون إلى اقتحام المسجد بل والصلاة فيه.
ومن بين أولئك، أعضاء كنيست (برلمان) إسرائيليين، من أحزاب "الليكود" (اليميني)، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، و"البيت اليهودي" (اليميني)، برئاسة وزير التعليم نفتالي بنيت.
وفي هذا السياق، نقلت الإذاعة الإسرائيلية العامة، عن مصدر أمني إسرائيلي (لم تسمه) قوله، إن "وزيرة الثقافة والرياضة من حزب الليكود، ميري ريغيف، وخلال شغلها رئاسة لجنة الداخلية البرلمانية في الدورة السابقة للكنيست (من 5 فبراير/شباط 2013 إلى أن حلّ البرلمان نفسه في 8 ديسمبر/كانون أول 2014 تمهيدًا للانتخابات التي جرت في مارس/أذار الماضي)، عملت طوال هذه الفترة، على عقد جلسات للجنة، لبحث مسألة السماح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي الشريف، كما أنها دعت مرارًا وتكرارًا، الحكومة والشرطة، إلى مساواة اليهود والمسلمين في الحرم".
ووفق الإذاعة، فقد عقدت ريغيف أكثر من 15 جلسة، لبحث هذه القضية ضمن لجنة الداخلية البرلمانية.
* ماذا جرى بعد العام 2000؟
على مدى 3 أعوام، رفضت الأوقاف الاسلامية في القدس، دعوات متكررة من قبل الحكومة الإسرائيلية، إعادة برنامج السياحة الأجنبية في المسجد الأقصى الذي أوقفته نهاية العام 2000.
ففي أبريل/نيسان 2003، فاجأت إسرائيل إدارة الاوقاف، بقرارها إعادة فتح أبواب المسجد أمام غير المسلمين، ومن جانب واحد.
ويقول الحسيني إن إدارة الأوقاف الإسلامية احتجت آنذاك بشدة على هذا القرار، ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تستجب لهذه الاحتجاجات ومضت في قرارها.
وأضاف "أصبح المستوطنون يقتحمون المسجد بأعداد كبيرة، وبحراسة ومرافقة الشرطة الإسرائيلية".
وبحسب معطيات الحكومة الإسرائيلية، فإن أعداد المستوطنين الذين اقتحموا ساحات المسجد: 5658 عام 2009، و5792 عام 2010، و8247 في 2011، و7724 في العام التالي، و8528 عام 2013 و10906 العام الماضي.
وتشير تقديرات مسؤولين في دائرة الأوقاف الإسلامية أن هذه الأعداد من المرجح أن تزداد مع نهاية العام الجاري.
ويقول الشيخ عكرمة صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا (عامة) وخطيب المسجد الأقصى في تصريح للأناضول إن "الأطماع الإسرائيلية في المسجد الأقصى ظهرت جلية في السنوات الأخيرة، حيث كثفوا الاقتحامات لساحاته، وطبقوا القيود العمرية بمنع الرجال والنساء دون سن الخمسين عامًا وأحيانًا الأربعين عامًا، من دخوله، وأصبحوا يغلقون بواباته إلى أن وصل الحد بمنع المسلمين من دخوله أثناء فترة الاقتحامات".
وأضاف" كل ذلك هو انتهاك للوضع القائم، فليس من واجبات الشرطة الإسرائيلية إغلاق البوابات أو منع المسلمين من الصلاة في المسجد، أو تحديد أعمار المسموح لهم بدخول المسجد".
* ما الذي تخطط له إسرائيل؟
يقول الشيخ ناجح بكيرات، رئيس دائرة المخطوطات التابعة للأوقاف، بالمسجد الأقصى المبارك، في تصريح للأناضول إن "إسرائيل تخطط لعزل المسجد الأقصى عن محيطه بهدف الاستفراد به، فهي بدأت قبل سنوات بعزل القدس عن الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعمل حاليًا على عزل بعض الأحياء المقدسية نفسها عن المسجد، وتحاول السيطرة على مواقع في محيط المسجد بما فيها القصور الأموية جنوبه".
وأضاف "المرحلة الثانية من المخطط، هي تكثيف الاقتحامات للمسجد، وصولًا إلى التقسيم الزماني للمسجد بين المسلمين واليهود، ومن ثم تنفيذ التقسيم المكاني، وذلك بأن يطلبوا مكانًا لهم للصلاة في داخل ساحات المسجد، ومن ثم إقامة الهيكل".
أما المرحلة الثالثة من المخطط، بحسب بكيرات، فهي "تهجير أكبر عدد من السكان من داخل القدس القديمة، بحيث تصبح المدينة وخاصة البلدة القديمة مدينة يهودية بأقلية قليلة من السكان الفلسطينيين".
* ما هو وجه الشبه مع المسجد الابراهيمي في الخليل؟
ثمة الكثير من الفلسطينيين الذين يشبهون المخططات الإسرائيلية بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى بما جرى على مدى السنوات الماضية في المسجد الإبراهيمي في الخليل، جنوبي الضفة الغربية.
وكان اليهود يزورون الحرم الابراهيمي بعد عام 1967، وعام 1972 قررت إسرائيل السماح لليهود بالصلاة في ركن من أركان الحرم، إلى أن جرى تقسيمه بين المسلمين واليهود مطلع العام 1994، بعد "المجزرة" التي ارتكبها مستوطن إسرائيلي، وأدت إلى مقتل 29 فلسطينيًا كانوا يؤدون صلاة الفجر.
وفي هذا الصد، قال الشيخ صبري: "في العام 1994 ارتكب مستوطن اسرائيلي مجزرة بشعة في الحرم الابراهيمي، في خطوة هدفت لتهويد الحرم وتقسيمه والسيطرة على إدارته، وبعد أن انتهت السلطات الإسرائيلية من الحرم، التفتت إلى المسجد الأقصى".
ومضى بقوله: "كنا ندرك أن إسرائيل تخطط لتقسيم الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي، ولكن هذا لن يحدث".
بدوره قال الشيخ بكيرات: "هناك محاولة لتكرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي في المسجد الأقصى، ولكن هذا لا يمكن أن ينجح، فالأقصى غير الحرم الإبراهيمي، فهو أولى القبلتين وثاني الحرمين وثالث المساجد الذي تُشد إليها الرحال".
ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنه ملتزم بالوضع القائم في المسجد الأقصى .
ويرد عليه الحسيني: "إذا كان نتنياهو جادًا في أقواله بشأن المسجد الأقصى، فعليه التقيد بالترتيبات التي كان معمولًا بها قبل انتفاضة الأقصى عام 2000".
news_share_descriptionsubscription_contact


