تحليل: عبد الحافظ الصاوى
القاهرة - الأناضول
بدأ الرئيس المصري محمد مرسي أمس الثلاثاء زيارته للبرازيل التى وصفها البعض بالتاريخية لأنها أول زيارة لرئيس مصري للدولة الواقعة فى قارة أمريكا اللاتينية، وبذلك تكتمل حلقة الزيارات التى قام بها مرسى لدول مجموعة البريكس التى تضم 5 دول هى : الصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل.
وقبيل الزيارة نشرت وسائل الإعلام المصرية تصريحات لمسئولين مصريين حول الدلالات الاقتصادية للزيارة، وعلى رأسها استفادة مصر من تجربة البرازيل في محاربة الفقر.
وعلى الرغم من أن زيارة الرئيس المصرى للبرازيل وغيرها من دول مجموعة البريكس تأتي في إطار اقتصادي، إلا أنها لا تخلو من دلالات سياسية على الصعيدين المحلي والدولي.
فعلى الصعيد المحلي، تدلل الزيارة على شعور بحالة من الاستقرار الداخلي، الذي مكن الرئيس مرسى من استكمال زياراته الخارجية.
أما على الصعيد الخارجي، فإن الرسالة من الزيارة تقول أن مصر لم تعد تعرف اتجاها واحد في علاقاتها الخارجية، ولكنها تملك أجندة متعددة العلاقات، تمكنها أن تعيد علاقاتها الخارجية في ضوء مصالحها الاقتصادية والسياسية، وفي نفس الوقت تسعى لإيجاد نوعًا من التوازن في العلاقات الدولية مع الجميع، بعد أن تركزت هذه العلاقة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضى وحتى الآن على أمريكا وأوروبا.
ماذا تريد مصر؟
يشعر المصريون أنهم تأخروا كثيرًا في مجالات التنمية، حيث سبقهم في هذا المضمار العديد من الدول، ومنها أعضاء مجموعة البريكس، ففي سنوات مضت كانت مصر لا تعاني من تلك المشكلات التي كانت تعانيها دول البريكس.
فمصر مثلًا لم تعرف المجاعات أو الكوارث الطبيعية التي عاشتها الصين والهند مثلًا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ولم تعرف التفرقة العنصرية التي عاشتها جنوب أفريقيا، ولم تشهد التفكك التاريخي الذي انتهت إليه روسيا في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ولا تلك الحالة المتدنية من الفقر في البرازيل.
ومن هنا فلكل واحدة من دول البريكس تجربة يمكن لمصر أن تستفيد منها، ولعل على رأس اهتمامات زيارة الرئيس المصري محمد مرسي للبرازيل الاستفادة من تجربة البرازيل في محاربة الفقر، والتعامل مع العشوائيات، وكذلك التجربة الناجحة مع القطاع غير المنظم، وكيفية تحويل نسبة كبيرة من هذا القطاع إلى القطاع الاقتصادي المنظم، وكذلك الاستفادة من تجربة ربط الدعم بالقضاء على الأمية والتسرب من العليم.
قد يتبادر إلى الأذهان أن مصر تبحث من خلال هذه الدول عن حل لأزمتها المالية الحالية، ولكن الملاحظ أن كافة الزيارات لدول مجموعة البريكس كانت القاهرة تركز فيها على عقد اتفاقيات تجارية واقتصادية، وإقامة مشروعات لهذه الدول على الأراضي المصرية ، وهو ما يعكس وجهة نظر أبعد من الخروج من الأزمة التمويلية الحالية لمصر.
فالتوجه المصري يبحث عن الاستفادة من تجارب هذه الدول العملية في الانتقال من تصنيف الدول النامية إلى تصنيف الدول الصاعدة، وانعكاس هذا الانتقال الإيجابي على الوضعية العالمية، وكذلك انعكاسها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشعوب هذه الدول، حيث تم التخلص من مشكلات الفقر والبطالة والتخلف بمعدلات كبيرة.
البريكس ليست البديل؟
قد يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم، حول سر تركيز مصر على تكثيف علاقاتها مع مجموعة البريكس، من خلال قيام الرئيس المصرى بزيارة كل دول المجموعة، وهو هل يمكن لمصر أن تغير وجهتها في علاقاتها الاقتصادية من أمريكا وأوروبا إلى مجموعة البريكس؟.
لابد في البداية أن نؤكد على ما يمكن أن نعتبره مسلمة، بأن الانتماء الآن لا تتصدره الاعتبارات الأيديولوجية، كما كان الوضع عليه في فترة النظام العالمي ثنائي القطبية، ولكن أصبحت المصلحة هي محل الاعتبار في إقامة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول.
فإذا كانت روسيا والصين لديهما خلفيات أيدلوجية شيوعية، فإن باقي أعضاء مجموعة البريكس ليس لديهم هذه التوجهات، وبالتالي فإن هذا التجمع ، بحكم ما لديه الآن من مقومات اقتصادية ، يشهد انطلاقة كبيرة على مدار السنوات الماضية، وينتظر المزيد خلال الأعوام القادمة.
فالمجموعة تنتج قرابة 50 % من الناتج المحلي العالمي، ولديها رصيد كبير من حصة الصادرات العالمية وكذا تمتلك احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبى، ولذلك فالدول النامية ، ومنها مصر، تتوجه للتعاون مع المجموعة من قبيل الاستفادة من تجربة دول مجموعة البريكس.
ولكن من الصعب أن تقطع مصر علاقاتها الاقتصادية بالكلية مع أمريكا والغرب، لتتوجه إلى مجموعة البريكس، فهناك بنى اقتصادية وثقافية وتعليمية توطدت على مدار العقود الماضية بين مصر وكل من أمريكا وأوروبا، ويحتاج الانفكاك منها سنوات طويلة.
ففي الوقت الذي يشكل في الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري لمصر، تليها أمريكا في المرتبة الثانية، نجد أن الصين تحتل المرتبة الثالثة ، أما الهند فتأتي في المرتبة السادسة، وجنوب أفريقيا في المرتبة الـ 15، وتأتي البرازيل في مرتبة متأخرة عن ذلك.
فالبرازيل التي يزورها الرئيس المصري حاليا ولمدة 3 أيام لا يزيد حجم تبادلها التجاري مع مصر عن 3 مليار دولار، وهو مبلغ لا يتجاوز نسبة 3.8 % من إجمالي تعاملات مصر التجارية الخارجية التي تصل إلى نحو 77 مليار دولار حسب بيانات عام 2012.
وإذا نظرنا إلى مؤشر آخر يعكس طبيعة العلاقات الاقتصادية لمجموعة البريكس مع مصر، وهو حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فنجد أن الصين تصل استثماراتها المباشرة في مصر نحو 226 مليون دولار فقط على مدار خمس سنوات، وهي الفترة من 2007/2008 – 2011/2012، أما الهند فتصل استثماراتها في مصر خلال نفس الفترة إلى 138 مليون دولار. والبرازيل لا تزيد استثماراتها في مصر عن 36 مليون دولار.
ولذلك نجد أن حجم العلاقات الاقتصادية لدول مجموعة البريكس مع مصر لا يمثل وزنا يمكن أخذه في الاعتبار مقارنة بحجم العلاقات الاقتصادية لمصر مع كل من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي.
ولكن لا يجب أن تقتصر وجهة النظر في العلاقة بين مصر ودول مجموعة البريكس على العلاقات التجارية والاقتصادية، فقد تجاوزت المجموعة مرحلة إنتاج السلع الأولية، وأصبح لديها ما تقدمه في مجالات مهمة تحتاج إليها مصر، وكانت من قبل حكرًا على أمريكا ودول الاتحاد الأوربي، وهي الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، أو الصناعات عالية التكنولوجيا.
فمثلًا أصبحت الصين تحتل المرتبة السادسة على مستوى العالم في الإنفاق على البحث العلمي، وهو ما يجعل مصر حريصة على الاستفادة من هذه التجربة.
وسوف يتوقف نجاح العلاقات بين مصر ودول البريكس خلال المرحلة القادمة، على توجهات المجموعة مع مصر وغيرها من الدول النامية، حول قضية نقل وتوطين التكنولوجيا، فإذا اتخذت المجموعة نفس النهج الأمريكي والأوروبي من الاحتكار في هذا الجانب، وجعل الدول النامية ومنها مصر مجرد أسواق لمنتجاتها، فبلا شك سوف يكون لمصر وباقي الدول النامية توجها آخر من الاندماج أو طلب عضوية المجموعة.
والقراءة النهائية للإجابة على سؤالنا في هذه السطور أن مصر سوف تسعى لتعظيم استفادتها من مختلف الأطراف، في ضوء معادلة جديدة للعلاقات الخارجية، وأنها تحاول الاستفادة من التجربة التنموية لدول البريكس التي اعتمدت على ذاتية البناء وفي نفس الوقت اندمجت في منظومة الاقتصاد الرأسمالي.
البريكس والدول النامية
لابد من الأخذ في الاعتبار أن تجمع البريكس قام من أجل تحقيق المصالح الاقتصادية لدوله، وليس من أجل مناصرة قضايا الدول النامية، ومن هنا لا ينبغي أن تعلق الدول النامية آمالًا عريضة على البريكس.
فالقضية في النهاية مسألة مصالح، وندلل على ذلك بما كانت تفعله البرازيل في أزمة الغذاء العالمية خلال 2006 و2007، حيث كانت البرازيل ثاني أكبر منتج للوقود الحيوي على مستوى العالم بعد أمريكا، ولم تخفف من هذا الاتجاه أو تلغيه من أجل الجائعين بدول العالم الثالث.
والأمر الثاني هو موقف البرازيل والهند من مسألة المحاصيل الزراعية المنتجة وفق قواعد الهندسة الوراثية، بمنظمة التجارة العالمية، حيث كان موقف الدول النامية عدم إدراج هذه المنتجات في السلع الخاضعة للاتفاقية لعدم اليقين بسلامتها صحيًا. واتفق موقف الهند والبرازيل مع الموقف الأمريكي.
مصع
news_share_descriptionsubscription_contact


