حسين عباس
القاهرة - الأناضول
قالت مجلة الإيكونميست البريطانية إن بنوك الاستثمار الأمريكية عادت لتسيطر من جديد على سوق التمويل العالمي ، معتبرة أن ذلك لا يصب في صالح الولايات المتحدة بالضرورة.
وأشارت في تقرير لها نشرته في عددها الصادر للأسبوع الجاري إلى أنه في عام 2008 وخلال أسابيع قليلة ملتهبة ، اجتمع المسؤولون الكبار بالبنوك الاستثمارية خلف أبواب مجلس الاحتياط الاتحادي الأمريكي ( المركزي الأمريكي) ، بينما كانت تبدو وول ستريت ،شارع المال والبورصة في الولايات المتحدة الأمريكية ، أنها في طريقها نحو الهاوية، حيث قدم مصرف " ليمان براذرز" طلبا لإشهار الإفلاس بينما استحوذ بنك أوف أمريكا على كامل أسهم بنك ميريل لينش.
كما قدمت المجموعة الأمريكية العالمية عملاق التأمين (ايه.اي.جي) ومجموعة سيتي المصرفية العملاقة طلبين للحصول على حزم إنقاذ مالية، ما دفع العديد من المؤسسات الأمريكية لأن تقتفي أثرها وتطلب حزم إنقاذ.
وأشار هانك بولسون، وزير الخزانة الأمريكي حينذاك في مذكراته إلى أن الخطوة التالية ستكون انهيار بنكى مورجان ستانلي وجولدمان ساكس، وإذا حدث ذلك فإن النظام المالي بالولايات المتحدة سيكون في طريقه نحو الهاوية.
وقال إن الساسة الأوروبيين عبر ضفتي الأطلسي كانوا يرون أن ما يحدث من انهيار للبنوك الأمريكية الكبرى يمثل قصاصا عادلا من الرأسمالية الأمريكية.
كما أنحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باللوم على المسؤولين في واشنطن بسبب عدم تنظيم البنوك وصناديق التحوط بشكل دقيق ومنظم.
واعتبر المجلة البريطانية أن البنوك الأوروبية وجدت ضالتها للنهوض إبان تفاقم الأزمة في الولايات المتحدة بعدما سيطرت البنوك الأمريكية على سوق التمويل الدولي لفترات طويلة.
وأشار التقرير إلى بنك باركليز البريطاني سارع إلى الاستحواذ على بنك (ليمان براذرز)، وأشترى عملياته الاستثمارية في الولايات المتحدة، الأمر الذي وصفه بوب دياموند رئيس الذراع الاستثمارية له حينذاك، بأنها "فرصة رائعة" لدخول السوق الأمريكية.
كما عزز بنك "دويتش بنك" العملاق الألماني حصته في السوق الأمريكي عبر استحواذه على بنوك أمريكية منافسة.
ويذكر تقرير أن الهيمنة التي فرضتها البنوك الأمريكية على أسواق العالمية لفترة طويلة بدت أنها في طريقها إلى النهاية.
وتقول الإيكونميست إنه عقب مرور خمسة أعوام، دارت عقارب الساعة إلى الوراء، حيث أصبحت البنوك الأوروبية تواجه ظروفا صعبة، بينما بدأت البنوك الأمريكي في التعافي وتصدر المشهد المالي العالمي من جديد، مشيرا إلى أن أكبر بنكين في أوروبا وهما " يو بي إس" وكريدي سويس، واللذان كانا يعززان نفوذهما سريعا قبل تفاقم الأزمة المالية، يعانيان من فقدان أصولهما حاليا.
ويضيف التقرير أن بنك رويال بنك أوف سكوتلاند والذي أحتل مرتبة بين أكبر 10 بنوك استثمارية في العالم لفترة وجيزة ، أصبح خاضعا لوصاية الحكومة البريطانية. ويشير إلى أن حصة البنوك الأوروبية في مجال بنوك الاستثمار تراجعت إلى الخُمس منذ تفاقم الأزمة المالية بينما يعود الكثير من المكاسب إلى البنوك التي لاتزال قوية في وول ستريت.
ويقول إن 3 بنوك أمريكية هى جي بي مورجان تشيس وجولدمان ساكس وسيتي جروب تستحوذ على ثلث نشاط بنوك الاستثمار في العالم.
ونجح بنكان أوروبيان وهما باركليز ودويتشه بنك، في الحصول على نسبة من سوق بنوك الاستثمار منذ تفاقم الأزمة المالية العالمية.، ويواجهان قوانين صارمة في الداخل والخارج الأمر الذي يحد من طموحاتهما للتوسع في الساحة العالمية.
ويقول تقرير الإيكونميست إنه رغم أن بنك "اتش إس بي سي" العملاق البريطاني تمكن من زيادة حصته في بعض أسواق بنوك الاستثمار، إلا أنه لا يزال في مرتبة متأخرة مقارنة بالبنوك العملاقة في وول ستريت.
ويذكر تقرير الإيكونميست أن الوضع قد تغير بالفعل، فلم تعد صناعة البنوك الاستثمارية التي تحاول أن تعيد وول ستريت السيطرة عليها مثلما كان الوضع قبل 10 أعوام، فقد تراجعت الإيرادات عالميا بحوالي 100 مليار دولار أو ما يعادل الثلث. كما تراجع معدل التوظيف، فقد شهدت بريطانيا تسريح حوالي 100 ألف موظف، كما تراجعت الأجور التي يتقاضاها الموظفون كثيرا.
ويبدو أن متطلبات رأس المال والقوانين الأخرى بما في ذلك قانون دود - فرانك الأمريكي لإصلاح وول ستريت وحماية المستهلك الغريب والمعقد (والذي لم يكتمل بعد)، أدى إلى تآكل أرباح بنوك الاستثمار في العالم.
كما يبدو أن الإيرادات الضخمة التي كانت تحصل عليها البنوك قبل الأزمة والمكافآت الضخمة التي كانت تدفعها لموظفيها لن تتكرر قريبا وربما لن يحدث ذلك على الإطلاق.
ويرى التقرير أن أحد أسباب التي جعلت البنوك الأمريكية تحسن من أدائها، أنها تعرضت للأزمة وتعاملت معها سريعا, حيث تصرفت السلطات الأمريكية على وجه السرعة، وأجبرت البنوك على أن تتخلص من الديون الرديئة وترفع رؤوس أموالها بسرعة.
ويستطرد التقرير قائلا "بعض البنوك الأخرى بدت غير قادرة أو غير راغبة في مواجهة الأزمة المالية ، بينما قالت بنوك أخرى مثل جولدمان إنها ليست في حاجة لزيادة رأس المال".
وأثمر ذلك عن قدرة البنوك الأمريكية الكبرى على العودة إلى مجال الربح وأن ترد مبالغ حزم الإنقاذ التي حصلت عليها من الحكومة وتقدم القروض لتدوير عجلة الاقتصاد ، الأمر الذي دفعها لأن تساهم في حدوث إنعاش اقتصادي وتتجاوز أثار الديون المعدومة.
وتقول الإيكونميست إن البنوك الأوروبية سارت في الاتجاه المعاكس لما فعلته نظيرتها الأمريكية، حيث تواصل تقليص ميزانيتها وتمضي قدما دون أن ترفع رؤوس أموالها، مشيرة إلى أن مجموعة سيتي جروب الأمريكية تكبدت بمفردها خسائر قروض بقيمة 143 مليار دولار، بينما لم يجنب أي بنك في منطقة اليوور أكثر من 30 مليار دولار لمواجهة القروض المتعثرة أو المعدومة.
ويشير تقرير المجلة إلى أن مصرف دويتشه بنك الألماني الذي أكد أنه ليس بحاجة إلى رفع رأس ماله ، واجه الأمر الواقع في النهاية وقرر زيادة رأسماله بحوالي 3 مليارات يورو ( 4 مليارات دولار).
ويقول التقرير أن الهيئات الرقابية الأوروبية ساهمت في تراجع البنوك بالقارة وذلك عن طريقين، الأول، أنها حددت المبالغ التي يمكن أن تدفعها البنوك في صورة علاوات مقارنة بالأجر الأساسي.
والطريقة الثانية، أن الجهات الرقابية تحاول أن تجبر البنوك على عدم التوسع في الاقراض وتمهد الطريق أمامها نحو الإفلاس، عن طريق فصل ودائع التجزئة عن إجمالي النشاط المصرفي.
ويعتبر التقرير أن الطريقة الأولى تتميز بعد النضج، لأنها تؤدي إلى ارتفاع التكاليف الثابتة للبنوك الأوروبية وتقلص من مرونتها لتقليص النفقات إبان فترة الركود. وتضطر البنوك الأوروبية لأن تدخل في منافسة مع نظيرتها في أمريكا أو الأسواق الآسيوية السريعة النمو التي تملك الحرية لأن تدفع ما تشاء من أجور للقيادات الموهوبة.
بينما يعتبر تقرير الإيكونميست الطريقة الثانية معقولة، حيث تحرز سويسرا وبريطانيا تقدما في إنهاء الدعم الضمني لدافعي الضرائب والذي يدعم البنوك الأكثر عرضة للإفلاس. ويرى أن انهيار اقتصاد إيرلندا بمثابة تحذير كاف لما يحدث عندما تشعر الحكومات بأنها مضطرة لأن تنقذ البنوك التي تشكل عبئا على اقتصاداتها.
ويقول بعض المصرفيين الأوروبيين إن القارة بحاجة إلى بنوك استثمارية عملاقة. فليس واضحا أن الشركات الأوروبية أو دافعي الضرائب قد حققوا مكاسب من وجود البنوك الوطنية التي تبرع في تسويق قروض الرهن العقاري الأمريكية.
ويبرز التقرير أن دافعي الضرائب الأمريكيين هم الذين يساورهم القلق إزاء هيمنة عدد قليل من بنوك وول ستريت، حيث يتحملون عبء الخطر الأكبر لعمليات الإنقاذ في المستقبل.
ومن وجهة نظر التقرير فأن المواطنين الأمريكيين يستفيدون من زيادة المنافسة في مجال بنوك الاستثمارية.
ويشير إلى أن رسوم الطرح العام الأولى أعلى في الولايات المتحدة مقارنة بباقي الدول ( 7% مقابل 4% ) وذلك بسبب هيمنة عدد قليل من البنوك الاستثمارية الكبرى على السوق.
ومع ذلك فإن الاقتصادات الكبيرة والدعم الحكومي الضمني لكونها أكبر من أن تفشل يمكن أن يعوض تكاليف المخزونات المؤقتة ، كما أن زيادة رسوم رؤوس أموال المال البنوك الكبيرة ستقدم المزيد لاستقرار النظام المالي أكثر مما قد تقدمه غابة قواعد دود فرانك أبدا.
وينتهي التقرير بالقول إنه بعد مرور5 أعوام على صيف عام 2008 الملتهب ، عادت البنوك الامريكية إلى الصدارة مرة أخرى وهذا أمر جيد، ولا يزال يوجد الكثير من الأمور التي تجعل وول ستريت أكثر أمانا.
news_share_descriptionsubscription_contact
