قيس أبو سمرة
رام الله – الأناضول
قال أستاذ الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية في نابلس نافذ أبو بكر إن الأزمة المالية الفلسطينية بدأت ملامحها منذ العام 2010 وازدادت حدتها في العام 2012، بسبب ترسيخ التبعية الاقتصادية للاقتصاد الإسرائيلي وزيادة الاعتماد على الدول المانحة في سد عجز الموازنات وزيادة الضرائب.
وأضاف أبو بكر في مقابلة مع وكالة الأناضول للأنباء حول واقع الاقتصاد الفلسطيني والأزمة المالية وسبل الخروج منها أن المشكلة الاقتصادية ذات أبعاد وتبعات سياسية بامتياز.
وأوضح الخبير الاقتصادي الذي شغل منصب عميد كلية الاقتصاد بجامعة النجاح عدة سنوات أن الخروج من الأزمة مرتبط بتوفر الإرادة السياسية من خلال نوعين من الحلول مكملين لبعضهما البعض على المدى الآني والحلول ذات الأبعاد الاستراتيجية.
تفاصيل الحوار:
ما أسباب الأزمة المالية الفلسطينية التي سبقت حجز إسرائيل لأموال الضرائب بعد حصول فلسطين على دولة مراقب في الأمم المتحدة؟
في الحقيقة عام 2012 هو العام الذي احتدت فيه الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني منها الفلسطينيين، وقراءة وتحليل المؤشرات الاقتصادية حول واقع هذا الاقتصاد خاصة بعد عام 2008 تشير بوضوح إلى اعتماد سياسات مالية واقتصادية أدت لترسيخ التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، والاعتماد على الدول المانحة في سد عجز الموازنات، وزيادة الضرائب على المواطنين، بالإضافة للتوسع في الإقراض المصرفي نحو القروض الشخصية.
كما أن هناك انفتاح غير مدروس على مبدأ حرية الأسواق على حساب القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة الحجم التي من شأنها العمل على استدامة الاقتصاد.
ويمكن تلخيص الأزمة المالية والاقتصادية في الأراضي الفلسطينية بما يلي:
1- انسداد الأفق السياسي لحل القضية الفلسطينية ووصول المفاوضات إلى طريق مسدود، والضغوط السياسية من اجل المفاوضات.
2- تراجع المنح والمساعدات المالية الخارجية للسلطة الفلسطينية.
3- خضوع الاقتصاد الفلسطيني إلى برتوكول باريس الاقتصادي، والإجراءات الاسرائيلية، خاصة السيطرة الكاملة على الأراضي المصنفة "ج" حسب اتفاق أوسلو والتي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
4- سيطرة إسرائيل الكاملة على المعابر والموانئ والمطارات والحدود.
5- الانقسام الفلسطيني.
6- الأخطاء الجسيمة في السياسات المالية والاقتصادية للحكومات الفلسطينية المتعاقبة.
7- الفساد المالي والادراي في السلطة الفلسطينية بالرغم من الادعاء بالإصلاحات.
وأبين أن المشكلة الاقتصادية ذات أبعاد سياسية بامتياز.
لم تشهد الأراضي الفلسطينية تنمية حقيقية رغم أن خطة الحكومة الاعتماد على النفس وبناء الدولة.... لماذا الإخفاق؟
أنا اؤمن أن لا تنمية تحت الاحتلال، كونه معيق لها، وكان يتوجب أن يكون لدى الحكومة الفلسطينية دعم صمود للمواطن ويأتي عن طريق سياسات وإجراءات واستراتيجيات تدعم الصمود، وتحول الجهد الرسمي إلى بناء المؤسسات.
وهناك كثير من الإجراءات السياسية والمالية التي بالإمكان تبنيها لدعم الصمود كدعم الإنتاج بالقطاعات المهمة كالزراعة والصناعة.
يعض الإحصائيات تشير إلى أن ما يقارب الـ 80 ألف موظف حكومي حاصل على قروض بنكية وفي ظل الأزمة المالية الحالية بات الموظف غير قادر على الوفاء بالتزامات المالية وحتى غير قادر على الإنفاق على عائلته ... كيف وصلنا إلى هذا الحال؟
بداية من يقترض هو من يحتاج إلى المال، ولكن السياسات البنكية والإقراض أغرقت المواطن.
وبالأرقام حجم الودائع لدى البنوك بلغ هذا العام 7.5 مليار دولار، التوظيف الداخلي بلغ نسبة 55% فقط بمعدل 4 مليار دولار، 31% من التوظيف الداخلي إقراض للحكومة الفلسطينية بقيمة مليار وربع، و31% قروض شخصية كتمويل شراء السيارات والشقق وغيرها من الكمالية لـما يقارب الـ 80 الف موظف حكومي، أي أنها قروض غير منتجة وتشكل عبء على صاحبها.
والبنوك تلجأ إلى ذلك لتحقيق الربح الأكبر بنسب فوائد تصل إلى 7%، وهي قروض قليلة المخاطر.
وبالتالي البنوك بسياساتها الحالية وعدم ممارسة الرقابة من قبل الجهاز المصرفي بالصورة المناسبة أدت إلى دور سلبي، لأن سياسة إغراق المواطن بالديون له أبعاد وتبعات سياسية واقتصادية واجتماعية.
الحكومة الفلسطينية اقترضت من البنوك هذا الشهر بضمان شبكة الأمان العربية هل هذا حل مجد؟
ما تقوم به الحكومة الفلسطينية كردة فعل على قرصنة إسرائيل على أموال الضرائب تأتي في سياق حلول ترقيعية وحلول ناعمة، وعلى الفلسطينيين أن يواجهوا الحقيقة ويجب التعامل معها بحكمه وقرار سياسي كونها ذات أبعاد سياسية.
الموظف قد يصبر هذا الشهر ولكن ماذا بعد؟!... والمواطن قادر على الصمود شريطة أن تكون الحكومة صريحة مع الشعب ولديها شفافية بالإنفاق.
كيف يمكن للحكومة الفلسطينية أن تتخلص من هذا الواقع وخاصة اتفاقية باريس؟
الحكومة قادرة على التحلل وفك الارتباط والتبعية لإسرائيل بالتدرج من خلال عقد اتفاقيات اقتصادية مع دول عربية وإسلامية خاصة بعد حصولها على دولة مراقب في الأمم المتحدة.
أين دور القطاع الخاص؟
القطاع الخاص لا يقوم بدوره رغم أنه كبير، فالشركات الاحتكارية والتي لا منافس لها وتحقق ارباحا عالية مفروض عليها أن تبقى شريك حقيقي للحكومة.
وأنا لا ادعوا إلى زيادة ضريبة الدخل عيلها، لكن ادعوا إلى فرض ضريبة نوعية وهذا حق وممارس في كل بلدان العالم.
خلال العام والعام السابق نظم مؤتمرين للاستثمار في فلسطين حضره رجال أعمال عرب وأجانب.. لم يلمس المواطن أي تغيير أو تنمية؟
هذه المؤتمرات عبارة عن مظاهرة احتفالية وليس أكثر، وأصبحت صناعة يستفيد منها القائمين عليها يجنون منها الرواتب العالية، وهي نجاحات غير حقيقية.
القيود والحواجز الاحتلالية لم تشجع المستثمرين على الاستثمار في فلسطين.
كيف يمكن التعامل مع الأزمة على المدى الآني والأبعاد الإستراتيجية؟
الحل الجذري مرهون بزوال الاحتلال الإسرائيلي، وتوفير الحلول الأخرى مرهون بالإرادة السياسية للسلطة الفلسطينية.
وعلى المدى الآني يمكن ما يلي:
1- مقاضاة إسرائيل دوليا على عدم تحويل المستحقات المالية.
2- التحلل من الالتزامات الاقتصادية والأمنية للسلطة الفلسطينية.
3- المقاطعة الرسمية للبضائع الإسرائيلية إلا ما هو غاية في الضرورة.
4- الضغط على الدول العربية والدول المانحة لتوفير شبكة الأمان العربية بقيمة 100 مليون دولار شهريا وما تم الالتزام به من قبل الدول المانحة.
5- التقشف بالنفقات التشغيلية غير الرواتب والاستغناء عن الوزارات غير الضرورية والالتزام بأولوية وشفافية الإنفاق.
6- الشفافية مع الجميع فيما يتعلق بالإيرادات التي تجبى محليا والبالغة حسب ما يدعى 50 مليون دولار شهريا.
أما الحلول ذات الإبعاد الإستراتيجية فهي:
1- المباشرة باستثمار الواقع السياسي والقانوني الجديد على اثر الاعتراف بفلسطين دولة مراقب غير عضو بالانضمام لعضوية المنظمات والمؤسسات ذات العلاقة، وعقد الاتفاقيات والمباشرة بالعلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والأجنبية الصديقة.
2- إعداد وتجهيز الإجراءات التي من شأنها أن تؤدي إلى فك الارتباط التدريجي بالاقتصاد الإسرائيلي وربطه باقتصاديات الدول الصديقة كتركيا والبرازيل مثلا.
3- إعداد وتجهيز الإجراءات التي من شانها أن تؤدي إلى سياسة تنموية شاملة عمادها محاربة البطالة والفقر والتضخم لتعزيز صمود المواطن على أرضه منها:
- دعم القطاعات الإنتاجية التي من شأنها توفير إيرادات مستدامة لخزينة السلطة الوطنية وخلق فرص عمل، خاصة الزراعي والصناعي والسياحة والمنشآت المتوسطة وصغيرة الحجم.
- فرض حماية كاملة للاقتصاد الفلسطيني وعدم خضوعه بالكامل لمبدأ حرية الأسواق.
- الإصلاح الإداري الشامل في القطاع العام.
- تحديد أولويات الصرف والإنفاق العام والشفافية في ذلك.
- تبني إستراتيجية وطنية لمواجهة الفساد المالي والاداري على المرتكزات التي أقرتها الأمم المتحدة.
- الإصلاح النوعي في جهاز الصحة والتعليم.
- توفير نظام الحماية والرعاية الصحية والاجتماعية.
- الشراكة الحقيقية والواضحة مع القطاع الخاص لتمكينه من القيام بدوره التنموي المنوط به دون إجحاف أو ظلم منه أو عليه، وتأكيد قيامه فعلا لا ظاهرا بمسؤوليته الاجتماعية.
- ضبط الجهاز المصرفي.
- الرقابة على المنظمات غير الحكومية.
كيف تنظر لواقع الاقتصاد الفلسطيني للعام القادم 2013؟
إذا لم نعالجه معالجة حقيقية كما أسلفت ومستمدة من إرادة سياسية واقعية ستبقى المشكلة الاقتصادية على حالها، والتدهور بالوضع الاقتصادي سيزيد ويتصارع إلى حدود كارثية.
وعلى السلطة الفلسطينية أن تعالج الأزمة بإرادة سياسية كونها ذات أبعاد سياسية بامتياز.
عا - مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
