غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
تقضي الفلسطينية إيمان عسلية، النازحة من شمال قطاع غزة، ساعات طويلة من يومها أمام موقد نار بدائي لطهي ما تيسر من طعام لأطفالها، في ظل أزمة خانقة في غاز الطهي وشح بدائله نتيجة الحصار والتضييق الإسرائيليين.
وتشعل عسلية النار بالاستعانة بنفايات البلاستيك والكرتون، ما يضطرها لاستنشاق الغازات الضارة المنبعثة من هذه النار باستمرار، متسببة بمشاكل صحية لم تتعاف منها بعد.
وعسلية واحدة من مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يضطرون لإشعال النار بديلا عن غاز الطهي، في ظل أزمة خانقة تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة.
وبدأت هذه الأزمة، منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بفعل القيود الإسرائيلية المشددة على المعابر، إضافة إلى منع إدخال الخشب المستخدم محليا بديلا للغاز.
لكنها تفاقمت مؤخرا مع بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، حيث فرضت إسرائيل قيودا إضافية على المعابر مع غزة، وبفعلها تقلصت كميات الغاز المنزلي الشحيحة أصلا إلى النصف، ما يفاقم من المعاناة اليومية للفلسطينيين.
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2023، سمحت إسرائيل بدخول من 5-9 شاحنات من غاز الطهي بشكل يومي، فيما كانت تقلص هذه الكميات إلى 4 شاحنات يوميا في أفضل الأحوال، فضلا عن أيام الإغلاق المتقطع للمعبر والتي لم تشهد دخول أي كميات منه، وفقا لمصادر محلية.
ولا تلبي هذه الكميات سوى 30 بالمئة من الاحتياج اليومي للقطاع، والذي جرى الاتفاق على إدخالها، وفق ما أكده مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة للأناضول.
ووفق معطيات رسمية، فقد نص الاتفاق على إدخال 50 شاحنة وقود من سولار وبنزين وغاز طهي بشكل يومي إلى القطاع.
في خيمتها المُشيدة على قارعة أحد الطرق بمدينة غزة، تستعين الأربعينية عسلية بقطع بالية من البلاستيك وورق الكرتون جمعتها من القمامة لإيقاد النار، لعدم قدرتها على شراء بدائل أخرى لغاز الطهي، كالخشب بسبب ثمنه الباهظ.
وتقول عسلية في حديث للأناضول، إن الحصول على أسطوانة غاز بات "حلماً بعيد المنال" في غزة، مضيفة: "إشعال النار بات جزءاً من تفاصيل حياتي.. لقد أكلت النار صحتي".
ورصد مراسل الأناضول معاناة عسلية خلال إيقادها النار داخل خيمتها، التي لا تتسع لأفراد أسرتها التسعة، بينهم مُسن مقعد يعاني أمراضا عدة.
وتشير عسلية إلى أنها تتحمل عناء يومياً في البحث عن مخلفات من الكرتون والبلاستيك من أجل إيقاد النار، لافتة إلى أن تفاصيل الحياة "باتت صعبة جداً ولا تطاق".
وتضيف بصوت يخنقه الدخان: "أولادي صغار يحتاجون إلى الطعام والحليب (..) أضطر إلى النهوض في أوقات مختلفة من الليل والنهار لإشعال النار، وأصبحت أعاني من مشاكل في الجهاز التنفسي".
ولفتت إلى أنها أصيبت أكثر من مرة بالاختناق وفقدان الوعي نتيجة الغازات الضارة، لكنها تقول إنه لا مفر من ذلك في ظل انعدام البديل.
وتابعت: "نحن مقبلون على فصل الصيف ودرجات الحرارة المرتفعة، والأمر سيزداد سوءاً إن بقينا على هذا الحال".
من جانبه، وقف الفلسطيني "أبو فادي" (لم يكشف عن اسمه كاملا)، أمام أحد موزعي الغاز مبتهجاً بحصوله على أسطوانة بنصف وزنها الأصلي، بعد انتظار ومعاناة استمرا أكثر من شهرين.
ويقول أبو فادي، في حديث للأناضول، إنه انتظر بفارغ الصبر استلام أسطوانة الغاز، ليتجنب، ولو مؤقتاً، عناء إيقاد النار لطهي الطعام.
وتابع: "كمية الغاز المستلمة لا تكفي سوى لأيام معدودة، ثم نعود لإيقاد النار مجدداً، لذلك نحرص على الاقتصاد في استخدامها للضرورة فقط".
وأوضح أن "إشعال النار يمثل معاناة حقيقية نظراً لشح المواد المستخدمة في الإيقاد كالخشب والبلاستيك"، مضيفاً أن الكميات الموجودة داخل غزة استُهلكت بشكل كبير، بينما تمنع إسرائيل دخول الأخشاب منذ بدء الحرب.
ويجري توزيع الكميات الشحيحة وغير المنتظمة التي تصل إلى القطاع، وفق نظام محوسب، يضطر السكان بموجبه إلى الانتظار لفترات طويلة للحصول على بضع كيلوغرامات من الغاز، التي لا تسد الاحتياج، وفق "الهيئة العامة للبترول" في غزة.
وأضافت الهيئة، في بيانات سابقة، أن "هذا الوضع يمثل كارثة محققة تهدد الأمن الغذائي والصحي، وتعطل العديد من الخدمات الإنسانية، وتنذر بعواقب وخيمة لا يمكن احتواءها".
وفي سياق متصل، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة الثوابتة، إن أزمة غاز الطهي وصلت إلى مستويات "كارثية وغير مسبوقة" بفعل اتساع سياسة التقليص الإسرائيلية.
وأوضح في تصريح للأناضول، أن "قطاع غزة كان يعاني من عجز يقدر بنحو 70 بالمئة من احتياجاته من غاز الطهي خلال سريان وقف إطلاق النار، قبل أن يتفاقم الوضع بصورة أخطر (مؤخراً) مع استمرار تقليص الإمدادات، ووقفها بشكل كامل في بعض الفترات".
وقال إن إسرائيل تستخدم أزمة غاز الطهي "كأداة ضغط وعقاب جماعي بحق الفلسطينيين"، الذين يعيشون ظروفاً إنسانية بالغة القسوة.
واعتبر أن "هذا العجز الحاد انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين والنازحين، كما تسبب بتفاقم معاناة المستشفيات والمخابز والمطابخ الجماعية والمرافق الإنسانية".
وتابع: "لم تلتزم إسرائيل بأكثر من 30 بالمئة مما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، فيما بقيت شاحنات الوقود وغاز الطهي الأقل التزاماً والأكثر تعرضاً للتعطيل والتأخير المتعمد".
وحتى 14 أبريل/ نيسان الماضي، قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة في بيان، إن إسرائيل ارتكبت 2400 خرقا لاتفاق وقف النار، بما يشمل القتل والاعتقال والحصار والتجويع.
وأوضح البيان أن إسرائيل لم تلتزم حتى أبريل، بالبروتوكول الإنساني الذي نص عليه الاتفاق، حيث سمحت بدخول 37 بالمئة فقط من شاحنات المساعدات والتجارية والوقود المقررة للقطاع.
وأشار إلى أن إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت إلى القطاع بلغ 41 ألفا و714 من أصل 110 آلاف و400 شاحنة، بمتوسط يومي بلغ 227 شاحنة.
وأكد أنه من المفترض أن يدخل إلى قطاع غزة بشكل يومي 600 شاحنة من المساعدات والبضائع، و50 شاحنة وقود من سولار وبنزين وغاز طهي.
وجرى التوصل للاتفاق، بعد عامين من حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل بغزة في 8 أكتوبر 2023، بدعم أمريكي، وتواصلت بأشكال مختلفة بعد ذلك، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا واسعا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.
news_share_descriptionsubscription_contact
