الرباط/ الأناضول
مع ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8 بالمئة وتباطؤ النمو المتوقع إلى 1.1 بالمئة خلال 2026، تتصاعد الضغوط المعيشية وتتمدد الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية.
وشهدت عدة دول أوروبية، منها فرنسا وإيطاليا وألمانيا، خلال الأسابيع الماضية احتجاجات على خلفية ضغوط اقتصادية وسياسية، أبرزها تراجع القدرة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار، مقابل تزايد الإنفاق الدفاعي على حساب القطاعات الاجتماعية.
وفاقمت صدمة النفط هذه الضغوط، إلى جانب أزمة السكن وزيادة الأعباء على الأجور والخدمات العامة.
وسجلت مستويات الدين العام في دول أوروبية معدلات مرتفعة خلال 2026، إذ بلغ الدين العام الفرنسي بنهاية الربع الثاني من العام نحو 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل حوالي 3.6 تريليونات يورو، وفق المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء.
ورغم تركز المخاوف بشأن المديونية في دول مثل فرنسا وإيطاليا، فإن الضغوط التي تواجه الموازنات الأوروبية تمتد إلى دول أخرى.
وعمقت الحرب الأمريكية على إيران أزمة الطاقة بأوروبا، المتضررة أصلا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت في فبراير/ شباط 2022.
ووفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، ارتفع التضخم في منطقة اليورو خلال سبتمبر/ أيلول الماضي بفعل ارتفاع أسعار الوقود، مقارنة بـ3.2 بالمئة خلال أغسطس/ آب الماضي.
وقال ياسين اعليا، المحلل الاقتصادي المغربي، إن "أوروبا تعاني من أزمة مرتبطة بعدم قدرة شركاتها حاليا على منافسة الصين في القطاعات الصناعية، إلى جانب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية عليها في هذا المجال".
وأضاف اعليا، في حديث مع الأناضول، أن "عوامل أخرى ساهمت في تردي الوضع الاجتماعي مثل تراجع الإنفاق على القطاعات الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن تدهور مستوى الخدمات الاجتماعية".
واعتبر أن تحركات الشباب وطلبة المدارس في فرنسا والاحتجاجات في إيطاليا مؤشر على اهتزاز البنية المجتمعية للدول الأوروبية، التي تمر بمرحلة صعبة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي.
كما يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار مستويات الدين العام الأوروبي المرتفعة خلال السنوات المقبلة.
وتوقع الصندوق، في تقرير صادر في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تباطؤ نمو منطقة اليورو إلى 1.1 بالمئة عام 2026.
كما خفض توقعاته لنمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.4 بالمئة في 2026، فيما توقع نموا بنسبة 2.5 بالمئة في إسبانيا.
وأشار الصندوق إلى أن عجز الموازنات لا يزال مرتفعا في عدد من الدول، بما يعني استمرار تجاوز الإنفاق للإيرادات، وهو أحد المحركات الرئيسية لتراكم الدين.
وربط اعليا الضغوط التي تواجه الاقتصاد الأوروبي بالتحولات في موازين الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى تنامي الوزن الاقتصادي لدول مجموعة "بريكس" مقارنة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وتأسست المجموعة عام 2006 من جانب البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليها جنوب إفريقيا في 2011 لتتحول إلى منصة دولية للتشاور والتعاون.
وشهدت المجموعة لاحقا توسعا شمل مصر وإثيوبيا والإمارات وإيران، بينما أعلنت البرازيل في يناير/ كانون الثاني 2025 انضمام إندونيسيا أيضا.
وقال المحلل الاقتصادي المغربي إن "اجتماع العوامل المرتبطة بالصعوبات الاقتصادية الأوروبية قد يؤدي إلى تحولات اقتصادية تاريخية، في ظل التراجع النسبي للاقتصادات الأوروبية وصعود القوى الناشئة التي تمتلك تصورات واستراتيجيات مختلفة للتنمية الاقتصادية".
واعتبر اعليا أن "الخيارات المتاحة للأوروبيين محدودة جداً مقارنة بالإمكانيات والقدرات المتوفرة لديهم".
ولفت إلى أنه من الناحية التكنولوجية، هناك تقدم لدى الصين والولايات المتحدة الأمريكية، اللتين تتفوقان في بعض المجالات على الاتحاد الأوروبي.
ويسعى الاتحاد الأوروبي، وفق المحلل الاقتصادي، إلى تعزيز شراكاته، بما يشمل الصين، والاستفادة منها، خصوصا في ظل التقارب الحالي بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وهو تقارب لا يخدم مصالح دول الاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن هامش المناورة لدى الاتحاد الأوروبي محدود، مضيفا أن العامل الديمغرافي أحد المؤشرات الحاسمة في قياس القوة، لكنه لا يخدم الاتحاد الأوروبي حاليا.
وتابع: "لولا موجات الهجرة التي تواجهها حاليا الحركات اليمينية في أوروبا، والتي تحاول القارة الحد منها، لكانت النتائج الديمغرافية أكثر سلبية".
وتشهد عدة دول أوروبية، أبرزها فرنسا وإيطاليا والبرتغال، موجة احتجاجات تتداخل فيها الضغوط المعيشية مع أزمات السكن والتعليم وخفض الإنفاق العام، بما يعكس تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على شرائح واسعة من السكان.
وشهدت فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا خلال الأسابيع الماضية احتجاجات متفاوتة الحجم، كان ارتفاع تكاليف المعيشة من أبرز دوافع بعضها، إلى جانب أزمة السكن والسياسات التعليمية والاعتراض على تخفيضات الميزانية والإنفاق العام.
وتشهد فرنسا احتجاجات لحركة "السترات الصفراء"، بدأت في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ضد غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في مئات المواقع، بمشاركة شرائح مختلفة من المجتمع، أبرزها طلاب المدارس الثانوية والمزارعون وناشطو المناخ.
وبدأت مظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا لأول مرة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، احتجاجا على زيادة أسعار الوقود والأوضاع الاقتصادية السيئة، ثم تحولت إلى احتجاجات ضد سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون الاجتماعية والاقتصادية.
كما تظاهر عشرات الآلاف في العاصمة البرتغالية لشبونة احتجاجا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن، فيما شهدت إيطاليا احتجاجات مماثلة على غلاء المعيشة، في مؤشر على اتساع نطاق الضغوط الاجتماعية بالتزامن مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها القارة.
وتستمر صدمة النفط التي تضرب الدول الأوروبية، بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود على صادرات الديزل، وتعثر الجهود الرامية إلى إيجاد بدائل للنفط الروسي، بالتزامن مع اضطراب إمدادات النفط نتيجة الحرب الأمريكية على إيران.
ورغم إعلان قادة مجموعة السبع، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الاتفاق على إفراج منسق عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية عبر وكالة الطاقة الدولية، يبدأ فورا ويمتد أربعة أشهر، مع تقديم كميات كبيرة من الديزل خلال أول 20 يوما، فإن خطوة سابقة بسحب 400 مليون برميل في مارس/ آذار الماضي لم تنجح في خفض الأسعار.
وتواجه أسواق النفط العالمية ضغوطا متزامنة بفعل اضطراب الإمدادات وتراجع توقعات نمو الطلب، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتوترات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة عالميا.
واندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل/ نيسان، وتجدد المواجهات بين واشنطن وطهران في يوليو/ تموز الماضي.
وفي 2 مارس/ آذار الماضي، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، الذي تعادل كميات النفط المارة عبره نحو 20 بالمئة من الطلب العالمي اليومي، ما أدى إلى اضطراب حركة ناقلات الطاقة وتعطيل جانب من الإمدادات العالمية.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story


