طولكرم/ قيس أبو سمرة / الأناضول
- أمر الهدم جاء بعد إخطار سابق في أغسطس 2025 ومسار قانوني للاعتراض عليه
- المزرعة قائمة منذ 1984 وتحولت إلى مشروع للزراعة العضوية وتدريب الطلاب
- جلسة قضائية مقررة في 17 ديسمبر للنظر في الالتماس المتعلق بأمر الهدم
بعد أكثر من 40 عاما على تأسيس مزرعة "حاكورتنا" الفلسطينية غربي طولكرم، فكك أكثر من 500 متطوع منشآتها خلال 3 أيام خشية هدمها إسرائيليا، قبل أن تحصل العائلة على أمر قضائي مؤقت يجمد التنفيذ إلى حين النظر في القضية.
وتقع المزرعة قرب جدار الفصل الإسرائيلي غرب مدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية المحتلة، وسط منطقة تحيط بها منشآت صناعية إسرائيلية، وظلت لعقود مصدرا لرزق عائلة الطنيب وموقعا للزراعة والتدريب واستقبال الطلاب.
**مهلة قصيرة قبل الهدم
وقال مالك المزرعة فايز عوض الطنيب للأناضول إن السلطات الإسرائيلية سلمت العائلة في 16 سبتمبر/ أيلول الجاري أمرا بهدم منشآت في المزرعة، ومنحتها مهلة لتفكيكها بنفسها، مبلغة إياها بأن الجيش سينفذ الهدم بآلياته ويحمّلها تكاليف العملية إذا لم تلتزم بذلك.
وجاء الأمر بعد إخطار سابق تلقته العائلة في أغسطس/ آب 2025 بوقف العمل في عدد من المنشآت الزراعية تمهيدا لإزالتها، قبل أن تبدأ، بمساعدة مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، مسارا قانونيا للاعتراض على الإجراءات الإسرائيلية.
وبحسب الطنيب، بررت السلطات الإسرائيلية الإجراءات بـ"دواع أمنية" مرتبطة بقرب المزرعة من جدار الفصل، واعتبار بعض المنشآت عائقا للرؤية، إضافة إلى القول إن منشآت أخرى أقيمت دون تراخيص.
وتقول العائلة إن المنشآت التي شملها أمر الهدم ليست حديثة، إذ يعود إنشاء عدد كبير منها إلى الفترة بين عامي 1984 و1995.
** 3 أيام من التفكيك قبل قرار التجميد
ومع اقتراب انتهاء المهلة، شارك أكثر من 500 متطوع على مدى 3 أيام في تفكيك البيوت البلاستيكية والمنشآت الزراعية وأحواض الأسماك وخلايا النحل ومعدات مرتبطة بزراعة الأشجار، في محاولة لإنقاذ محتويات المزرعة قبل وصول آليات الهدم.
وقال الطنيب إن العمل استمر حتى ساعات المساء، واضطرت العائلة إلى تفريغ أحواض الأسماك ونقل ما أمكن من المعدات والمنشآت القابلة للتفكيك.
وبعدما كانت غالبية المنشآت المشمولة بأمر الهدم قد فُككت بالفعل، أبلغ مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان العائلة بأنه حصل على أمر قضائي مؤقت يوقف تنفيذ الهدم.
وقال الطنيب: "فككنا كل شيء خوفا من الهدم، ثم جاءنا قرار بتجميد الهدم".
وبحسب المركز، صدر الأمر عن المحكمة المركزية في القدس عقب التماس عاجل قدمه محاموه، وحددت المحكمة 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل موعدا للنظر في القضية.
ولا يعني الأمر إلغاء قرار الهدم نهائيا، وإنما وقف تنفيذه مؤقتا إلى حين نظر المحكمة في الالتماس.
** مزرعة منذ 1984
بدأ الطنيب إدارة الأرض والعمل فيها عام 1984 بعد وفاة والده، قبل أن يطورها مع عائلته إلى مزرعة تعتمد الزراعة العضوية وتقلل استخدام الأسمدة والمواد الكيميائية.
وتبلغ مساحة "حاكورتنا" نحو 32 دونما، أي 32 ألف متر مربع، وفق الطنيب، بينها نحو 10 دونمات مزروعة بالحمضيات و10 أخرى بأشجار مثمرة، إلى جانب بيوت بلاستيكية وأحواض لتربية الأسماك وخلايا نحل ومنشآت زراعية أخرى.
وتضم المزرعة أيضا منزلا زراعيا من طابقين، تبلغ مساحة كل طابق نحو 120 مترا مربعا.
وخلال العقود الماضية، تجاوز دور "حاكورتنا" الإنتاج الزراعي، إذ تحولت إلى موقع للتدريب والتعليم الزراعي، واستقبلت، بحسب الطنيب، عشرات آلاف الأطفال، إضافة إلى طلاب جامعات متخصصين في الزراعة كانوا يقضون فيها فترات تدريب تصل أحيانا إلى 4 أشهر سنويا.
**الجدار والمنشآت الصناعية
وتقول العائلة إن واقع المزرعة تغير بصورة كبيرة بعد بدء إسرائيل إقامة جدار الفصل في المنطقة عام 2002، إذ فقدت جزءا من أرضها وأصبحت تواجه قيودا على الوصول إليها والعمل فيها.
ويمتد معظم مسار الجدار داخل الضفة الغربية المحتلة وليس على الخط الأخضر الفاصل بينها وبين إسرائيل، فيما تخضع أراض زراعية عزلها الجدار لنظام تصاريح وبوابات إسرائيلية تحدد مواعيد وصول أصحابها إليها.
ووثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أن هذه القيود أثرت بشكل خاص على مزارعين شمالي الضفة، بما فيها محافظة طولكرم، وأعاقت أعمالا زراعية أساسية مثل الحرث والتقليم والتسميد والحصاد.
وفي 2004، قضت محكمة العدل الدولية، في رأي استشاري، بأن بناء إسرائيل الجدار داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والنظام المرتبط به يخالفان القانون الدولي، بينما تقول إسرائيل إن الجدار أقيم لأسباب أمنية بهدف منع الهجمات.
وتقع "حاكورتنا" بين الجدار ومنشآت صناعية إسرائيلية، فيما يقول الطنيب إن الإجراءات المتكررة ضد المزرعة تهدد بقاء عائلته في الأرض.
وأضاف: "يريدون اقتلاع جذورنا من المزرعة وإزالتنا منها لفتح الطريق أمام المصانع الكيميائية".
كما تنسب العائلة إلى المصانع القريبة أضرارا بيئية لحقت بالأرض والمحاصيل على مدى سنوات، وهي اتهامات تطرحها في سياق تجربتها مع الموقع.
في المقابل، تقول السلطات الإسرائيلية، وفق ما أبلغت به العائلة، إن الإجراءات المتعلقة بالمزرعة تستند إلى اعتبارات أمنية وتنظيمية وقضايا تتعلق بالتراخيص.
فمنذ مطلع 2026، هدمت السلطات الإسرائيلية أو أجبرت فلسطينيين على هدم 1164 منشأة لعدم حصولها على تراخيص إسرائيلية، ما أدى إلى تهجير أكثر من 1500 فلسطيني، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، الذي يقول إن الحصول على تلك التراخيص يكاد يكون مستحيلا للفلسطينيين.
وفي أغسطس/ آب وحده، نفذت السلطات الإسرائيلية 71 عملية هدم طالت 155 منشأة فلسطينية، بينها 61 منشأة زراعية و33 منشأة تشكل مصادر رزق، كما أصدرت 44 إخطارا إضافيا بالهدم، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.
وتقول "أوتشا" إن متوسط عدد المنشآت التي تهدم شهريا في المنطقة "ج" والقدس الشرقية منذ 2024 بلغ على الأقل ضعف المتوسط المسجل خلال السنوات الـ15 السابقة، في مؤشر على تسارع عمليات الهدم.