تحليل :عبد الحافظ الصاوى
القاهرة - الأناضول
أصبحت أزمة الطاقة في مصر من الوضوح بما لا يحتاج إلى دليل، سواء فيما يتعلق بالتدبيرات المالية من العملات الصعبة، واستنزاف احتياطيات مصر من النقد الأجنبي، أو من حيث عدم توفير المواد النفطية للاستخدامات العامة مثل الانتقالات، وبخاصة السولار، الذي تُرى طوابير الانتظار للسيارات للحصول عليه من محطات الوقود تمتد لمئات الأمتار.
كما يتوقع أن تكون الأزمة أكثر حدة في موسم الصيف القادم، حيث تزيد معدلات استخدام الطاقة من قبل المنازل ومنشآت قطاع الأعمال، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى الطموحات التنموية التي تستهدفها مصر خلال الفترة القادمة، فزيادة معدلات النمو الاقتصادي واستدامته تتطلب تأمين الحصول على الطاقة بالكميات التي تناسب إضافة مشروعات جديدة.
بل أصبح السؤال الأبرز لمن يقمون بدراسة مستقبل الاستثمار في مصر، هو : ما هي قدرة مصر على توفير الطاقة للمشروعات التي ترغب في الاستثمار في مصر؟، وهل ستقوم الحكومة بتدبير الطاقة اللازمة لها؟، أم سيكون ذلك من مهمة المستثمر؟. وهل ستستمر مصر في تقديم دعم للطاقة أم أنها عازمة على تخفيض هذا الدعم أو إلغاءه من الأصل؟.
والملاحظ أن أزمة الوقود كشفت سوء إدارة السياسة التي أديرت بها منظومة الطاقة في مصر، ليس فقط في مجال النفط والغاز، ولكن في التأخر باستخدام مصادر الطاقة البديلة، سواء تلك المتعلقة بالطاقة النووية، أو الشمسية، أو الرياح، أو تلك المستمدة من المخلفات الطبيعية والصلبة.
وفرضت أزمة الطاقة على الحكومة المصرية اتخاذ بعض الخطوات في مجال دعم الطاقة مثل رفع الدعم بالكامل عن بنزين 95، وكذلك رفع الشرائح السعرية للصناعات كثيفة استخدام الطاقة، ومن المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة خطوات أوسع في مجال دعم الطاقة، مثل استخدام الكروت الذكية لتوزيع المواد البترولية المدعمة، أو الإسراع بعمليات إحلال الغاز الطبيعي لسولار في محطات الكهرباء أو في مصانع الطوب والمزارع الداجنة والسمكية.
وتضغط أزمة الطاقة على مصر من الناحية المالية بشكل كبير، فالمسئولين الحكوميين يعلنون أن مديونية مصر للشركات الموردة للمواد البترولية تتراوح ما بين 6 – 8 مليار دولار، وهو مبلغ مؤثر على أوضاع ميزان المدفوعات المصري الذي يعاني من عجز منذ ثورة 25 يناير، أو احتياطيات النقد الأجنبي التي تمر بأزمة حقيقية، على الرغم من توصل مصر لاتفاقيات لقروض خارجية مع كل من ليبيا وقطر بنحو 5 مليار دولار.
ومن العوامل المهمة التي ساعدت على تفاقم أزمة المواد النفطية في مصر الانفلات الأمني، حيث تمت عمليات تهريب كبيرة للمواد النفطية المدعومة إلى دول الجوار، بل وإلى السفن المارة بالمياه الدولية لمصر، وكذلك الممارسات الخاطئة من قبل بعض المواطنين بالقيام بالإتجار في المواد النفطية من خلال السوق السوداء، من خلال حصولهم على كميات كبيرة من محطات الوقود دون وجه حق، ثم إعادة بيعها للمواطنين بأسعار أعلى بكثير مما هي عليه في محطات الوقود الرسمية.
الإمدادات العربية
وفي محاولة من قبل الحكومة المصرية للتغلب على أزمة الطاقة، اتجهت إلى طلب كميات من النفط الخام من كل من ليبيا والعراق، من أجل القيام بتكرير البترول الخام، والحصول على كميات منه نظير عمليات التكرير ورد ما زاد عن نظير التكرير كما هو في الحالة الليبية، أما قطر فقد تم التوصل إلى إمداد مصر بالغاز بكميات تساعد على تخفيف حدة الأزمة مع حلول موسم الصيف.
وقدرت الإمدادات الليبية بنحو مليون برميل شهرًا، والعراق 5 ملايين برميل من خام البصرة، وقدرات إمدادات قطر من الغاز الطبيعي لمصر بنحو 600 مليون قدم يوميًا، كما سعت مصر لترتيب عمليات لاستيراد النفط والغاز من مصادر غير عربية مثل روسيا وإيطاليا.
وهنا يطرح سؤالًا مهمًا نفسه في هذا الإطار، وهو ماذا عن إمدادات الدول النفطية العربية الأخرى، وتحديدا من السعودية ، أكبر منتج للنفط في العالم، والجزائر والإمارات وهما من كبار الدول المصدر للنفط، بل من الدول التي تعتمد اقتصاداتها على إنتاج وتصدير النفط بالدرجة الأولى، وهو ما يفرض عليها تقديم يد العون لمصر في هذه الفترة الحرجة.
وتعد السعودية من أكثر الدول قربًا لمصر من حيث الناحية الجغرافية، وبالتالي تكون تكلفة النقل للنفط أقل من غيرها، ويمكن للمملكة أن تقدم كميات مقاربة للكميات المقدمة من العراق، دون أن يرهق هذا الأمر الأوضاع الإنتاجية أو التصدير للسعودية. بل قد يساعد خط سوميد في نقل النفط الخليجي لمصر بأقل تكلفة ممكنة.
وتمتلك مصر نحو 9 معامل لتكرير النفط، إلا أن 8 منها تحتاج إلى تطوير، وقدرت مجالات فرص الاستثمار في عمليات تكرير النفط بمصر بحوالي 18 مليار دولار.
ويكشف هذا الأمر نقطة ضعف في السياسة النفطية لمصر، حيث تم إهمال هذا المجال للاستثمار على الرغم من أهميته، ووضوحه لكافة العاملين بتخطيط التنمية، وهو ما كان يستوجب تركيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيه خلال السنوات الماضية، وكان ينبغي ترتيب الأولويات لأجندة وطنية للاستثمارات الأجنبية في مصر، وبخاصة العربية منها، فالأفضل أن تستغل الاستثمارات العربية في تطوير معامل التكرير المصرية، أو إنشاء معامل جديدة، بدلًا من توجيه الاستثمارات العربية لمجالات العقارات والمضاربات بالبورصة المصرية.
الأمر الثاني الذي يؤخذ على السياسة النفطية المصرية، قيامها باستيراد مشتقات بترولية، وهي بلا شك عالية التكلفة، عند مقارنتها باستيراد الخام والقيام بتكريره بالمعامل المصرية، وتشير التقديرات إلى أن القدرة الاستيعابية لمعامل التكرير المصرية تقدر بنحو 35 مليون طن، بينما الواقع يشير إلى أنها تعمل بحدود 29 مليون طن، أي أنه هناك طاقة غير مستغلة قدرها 6 ميلون طن. وهو ما أدى إلى اتباع السياسة الجديدة باستيراد الخام وتكريره في مصر.
الأمر الثالث: أنه لابد من مراجعة عقود النفط والغاز المبرمة بين مصر ودول أخرى خلال فترة ما قبل الثورة، حيث شابت هذه العقود كثير من الملاحظات، والتجاوزات التي تصنف عل أنها من أعمال الفساد، وبالتالي يمكن لمصر تعديل هذه العقود ولو جزئيًا بما يحسن من عوائدها من عقود التصدير أو حتى زيادة حصتها من خام النفط أو الغاز.
ملاحظات ومخاوف
يعد الاتفاق المصري مع كل من ليبيا والعراق وقطر من مظاهر التعاون الاقتصادي العربي الإيجابي، ولكن لابد من الأخذ في الاعتبار أن هذه الإمدادات تأتي في إطار الحلول قصيرة الأجل لمواجهة أزمة الطاقة في مصر. وعلى مصر أن ترتب استراتيجيتها في مجال الطاقة بما لا يعرضها لمثل هذه الأزمة التي تعيشها الآن.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الكميات التي سوف تمد بها الدول العربية مصر من النفط والغاز، هي كميات ضئيلة مقارنة بقدرتها الإنتاجية، إلا أن هناك مجموعة من المخاوف أو التساؤلات لابد من أخذها في الاعتبار بهذا الخصوص، وهي:
- هل ستراعي الدول العربية الظروف المالية الصعبة لمصر عند سداد مقابل هذه الإمدادات النفطية؟، فالوضع يحتاج إلى النظر في الوضع المالي للموازنة المصرية ومعاناتها من عجز مرتفع، وكذلك العجز الكبير في الموارد الدولارية لمصر، ونزيف احتياطيها من النقد الأجنبي. وقد يكون من المناسب أن تتم هذه المعاملات في إطار صفقات متكافئة بين مصر وتلك الدول بما يخفف من حدة المطالبات المالية على مصر، وفي نفس الوقت يضمن تنشيط التجارة البينية لهذه الدول مع مصر.
- يعد مخرج تسويات المعاملة التجارية بالعملات المحلية للإمدادات النفطية العربية وغيرها مع مصر، هو السبيل المناسب، وهو أسلوب معمول به في تعاملات الصين مع دول الآسيان، وكذلك تتبعه تركيا مع دول الجوار، وبالتالي ستكون آلية تسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية، دافعة في مشروع التعاون الاقتصادي العربية، وتراعي الأزمة المالية التي تمر بها مصر.
- لاشك أن هذه الإمدادات أتت في إطار من العلاقات السياسية الجيدة لمصر مع هذه الدول، إلا أن هناك مخاوف من أن تُمارس ضغوطا على هذه الدول مستقبلًا لعدم استمرار هذه الإمدادات، أو عدم القبول بزيادتها، وهذا احتمال وارد في ظل التدخل الأجنبي للقوى الدولية في الشأن الإقليمي العربي خلال الفترة الماضية، وبخاصة بعد التدخل العسكري من قبل أمريكا وأوروبا في قضايا المنطقة مثل أزمة الخليج الثانية، وحرب العراق، ومساهمة القوات الغربية في إزاحة نظام القذافي.
news_share_descriptionsubscription_contact
