إسطنبول/ هشام شعباني، محمد نهار/ الأناضول
رحب رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز، ببابا الفاتيكان، فرانسيس، الذي وصل تركيا بوقت سابق اليوم، في زيارة تستغرق 3 أيام، قائلاً: "أهلاً بكم في مهد الأديان والثقافات وبلد السلام؛ الذي يذخر بتجربة مديدة على صعيد العيش المشترك".
وتطرق غورماز في مؤتمر صحفي جمعه بالبابا في العاصمة أنقرة، اليوم الجمعة، إلى قيام وسائل إعلام عالمية ببث نوع جديد من الخطابات العنصرية التي تحض على ارتكاب جرائم كراهية ضد المسلمين، مبيناً أن تلك الخطابات من شأنها أن تولّد كوارث تلوح في أفق مستقبل البشرية.
وأردف غورماز قائلاً: "إن الطريقة المتبعة لا تتسبب بالإهانة للإسلام فقط، بل بالإهانة للقيم الفاضلة والعقل الراجح لجميع البشر الموجودين على ظهر المعمورة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال حتى الجنوب، حيث يتم تحفيز الناس الأبرياء وتوجيههم لكي يصبحوا أعداءًا للإسلام والمسلمين".
وعلى صعيد متصل، أوضح غورماز أن معاداة الإسلام والمسلمين ستُسجل في الصفحات السوداء الملطخة من كتب التاريخ، شأنها شأن الصفحات التي كتبت حقبة معاداة السامية، مضيفاً أن "ما نعتقد به يمكن تلخيصه في أن جميع البشر هم أخوة على اختلاف أديانهم التي يؤمنون بها، كما أن البشر فُطروا على الضمائر الإنسانية الحيّة، التي تأبى العنف والانخداع بالسيناريوهات التي تهدف إلى الاستخفاف بالعقل البشري".
وأشار إلى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا التي عُممت بشكل واسع النطاق على الرأي العام الغربي بوجه الخصوص، يتم استعمالها كذريعة للقيام بأعمال عنف وترهيب وضغط وتمييز وإقصاء ضد الأخوة والأخوات المسلمين الموجودين في الغرب، مبيناً أن ذلك يخلق لدى المسلمين جملة من المخاوف حيال المستقبل.
وذكر غورماز أن هذه المنطقة كانت على الدوام الوطن الآمن لجميع البشر بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم، لأنها كانت المدافع عن ضمير الإنسانية، والتراث الإنساني العريق، إضافة لقيم القانون والعدالة والحضارة، لافتاً أنها احتوت على كنس يهودية وكنائس مسيحية بقدر ما احتوت على مساجد للمسلمين.
ولفت إلى أن المنطقة مازالت كما السابق، تحتضن بين جنباتها لغات وأديان ومذاهب ومفاهيم مختلفة، وتمثل حضارة تهيمن عليها القيم الإنسانية، التي تضمن للجميع العيش بسلام في ظل القانون والعدالة.
وأوضح غورماز أن تلك الحضارة تعتبر عقائد الجميع الفكرية والدينية وأرواحهم وممتلكاتهم وأنسابهم؛ هي عبارة عن قيم مقدسة، كما تعتبر أن حقوق الإنسان وكرامته أسمى من أي شيء، ولا تقبل البتة أي إقصاء أو حرمان؛ يرتكز على خلفيات لغوية أو عرقية أو دينية أو مذهبية أو فكرية.
وأشار أن تركيا التي لم تميّز أبداً على مدى التاريخ بين المؤمنين بكافة الأديان السماوية، وضمنت لهم عيشاً مشتركاً؛ ترى وجود دلالات خاصة في استضافتها للزعيم الروحي للعالم الكاثوليكي على أراضيها، في وقت يتعرض فيه الكثير من سكان العالم للتهميش استناداً إلى فروقات مختلفة، وتبنى فيه جدران الخوف بين أبناء البشر.
وقال غورماز "نحمد الله ونشكره، لأنه خلّصنا من سجون المادّية وأوصلنا إلى فضاء المعاني الرحب، آخذاً بيدنا من ظلمات العبودية، إلى نور عنايته. ومنزلاً بشائر الرحمة والسلام مع رسله وأنبيائه المطهّرين. فأكرمنا بنور الهدى وأخرجنا من الضلالة والظلمات، داعياً إيّانا إلى الإيمان والصدق والإخلاص والوفاء بالعهد والعفة والعدل. دعوة وجهت إلى جميع البشر. إلا أننا معشر الإنس، لم نعرف معاني وقيم هذه الدعوة كما ينبغي؛ خاصة في القرون الأخيرة الماضية، وعجزنا عن المحافظة على هذه الأمانة المقدّسة؛ حيث أعطبنا التوازن الطبيعي وأوصلنا العالم بأيدينا إلى حافة الكارثة".
وتابع غورماز: "لا نستطيع أن نلقي بمسؤولية التسبب بهذه الكارثة؛ على مجموعة من قوى الشر. لا!! اسمحوا لنا أن نقول بوضوح، إن وبال ما يحدث يقع على عاتقنا جميعاً، ولا يمكن لأحد التهرب من هذه المسؤولية. إن أصحاب الضمائر الحيّة مهما كان انتماؤهم الديني، يشعرون بالعبء الثقيل الملقى عليهم؛ جراء عدم قدرتهم على رعاية الأمانة التي أوكلت إليهم، ما أوصل البشرية إلى هذه الدرجة من الفوضى والكآبة".
وفي نفس السياق، ذكر غورماز أن الذين نسوا الله وتجاهلوه كلما تحدثوا، ومن تحدثوا باسمه واعتبروا أنفسهم امتداداً له على وجه الأرض، إضافة للذين جعلوا اسمه حبيس الكلمات، ومن لم يذكروا اسمه في المكان الذي وجب فيه ذكره، "مشتركون في الجريمة التي أوصلت العالم إلى حافة الهاوية".
وأفاد أن العالم اليوم قد وقع في براثن الجوع والفقر والظلم وانتهاكات القانون المتزايدة يوماً تلو الآخر، فضلاً عن الدوس على كرامة الإنسان والاتجار بالنساء والأطفال، والصراعات، والإرهاب، ومجازر وصلت إلى مرحلة لم يعد بالإمكان تحملها، إضافة إلى الحروب والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، متسائلاً عمن يستطيع أن يخرج ويدّعي أنه بريء في غمرة كل ما يحدث؟ ومن الذي يدّعي أنه غير مشارك في رسم تلك اللوحة المقيتة أياً كان انتماؤه الديني؟.
ولفت إلى أن الكارثة الأساسية في العصر الحديث؛ تكمن في "استعباد الناس وجعلهم مجبرين على الخضوع لاستبداد المادة وطغيانها في ظل العولمة، في الوقت الذي باتت فيه الموارد الطبيعية - التي تعد نعمة إلهية لكل الإنسانية - تشكل أداة تفتك بحياة الكثير من الأبرياء، بعد أن وقعت فريسة لطمع وجشع حفنة من المنتفعين"، مبيناً أن العالم اليوم يشهد استنزافاً وحشياً واستغلالاً خفياً لموارد الكثير من الشعوب - وعلى رأسها المسلمة - في كل من أفغانستان وأراكان والعراق ونيجيريا وسوريا والصومال.
ورأى غورماز أن المنطقة المسلمة على وجه الخصوص، تشهد دوامة من العنف والوحشية تُداس فيها كرامة البشرية جمعاء، يعاني جراءها جميع أبنائها من المسلمين وغيرهم على حد سواء، مشيراً أن من انحرفوا عن نهج رسالة الإسلام السمحة، واتخذوا من العنف والوحشية درباً، عليهم أن يعلموا جيداً بأنهم في حالة تمردٍ على الله.
وأكد غورماز أن الإنسان بحاجة إلى أخيه الإنسان، كما أنه أمانة في عهدة أخي، مبيناً أن رفض القيام بأعباء تلك الأمانة يعد حنثاً بالعهد وإصراراً على التمسك بالطغيان، مضيفاً إننا "كمسلمين نرفض تماماً كل أنواع التطرف والعنف".
وذكر أن الأيام الأخيرة الماضية شهدت تطورات أطفأت شموع الأمل في تحقيق سلام على أرض فلسطين، قائلاً "لقد عانينا كغيرنا من المسلمين من تبعات تلك الأحداث والتطورات التي شهدتها فلسطين، وإن الاعتداءات التي تجري؛ ضد المسجد الأقصى المقدس لدى جميع الديانات السماوية؛ وضد الشعب الفلسطيني المظلوم؛ تشكل مصدر ألم عميق للضمير الإنساني".
ورأى غورماز أن الأفكار التي بدأت تتولد في ظل حوادث الاحتلال وأحداث العنف التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة، خلقت أحياناً أجواء ومواقفاً وسلوكياتٍ غريبة عن أهل المنطقة، وأفرزت أشكالاً من الاعتداءات التي لم تعر أي اهتمام لقداسة دور العبادة، معتبراً ذلك أمراً غير مقبول بأي شكل من الأشكال.
وشدد غورماز على ضرورة وقوف الجميع في وجه من يعمل على تمويه الحروب التي تجري من أجل السلطة وتضارب المصالح، من خلال إخفائها تحت ستار الحروب الدينية، مؤكداً أنهم لن يسمحوا أبداً بجعل الدين والمؤسسات الدينية وسائل وأدوات لألاعيب السياسة القذرة.
وتطرق إلى مسألة الهجرة والمهاجرين واللجوء، قائلاً " نشهد اليوم إقدام الكثير من الناس على ترك أوطانهم وتكبّد مصاعب الهجرة ومخاطرها، بسبب الحروب، والعنف والإرهاب، أو بسبب صعوبات تأمين لقمة العيش أو العيش الكريم. وللأسف، يتم انتشال الكثير من أولئك المهاجرين من سواحل البحر المتوسط، قبل أن يبلغوا الهدف ويصلوا إلى أرض المهجر. إن هذه الصور تظهر مدى الخلل الاجتماعي الذي يعيشه كوكبنا، والتي ساهمت في رسمها عمليات النهب الاقتصادي والتوزيع غير العادل للثروة، وتردي مستويات التنمية التي أفرزت تلك العواقب المؤلمة".
وأفاد غورماز أن مهام كبيرة تلقى على عاتق المؤسسات الدينية حيال ما سبق من قضايا، ولا تقتصر على إجراء المراسم الجنائزية للأشخاص المتوفين، مبيناً أن "الدين يمنح الحياة للبشر، حياة ترتكز على السلام والاستقرار وليس على ترك الإنسان في طريق ذاهب نحو الموت.
وتابع غورماز "كما يلقى على عاتق المؤسسات الدينية العمل على إزالة كل ما يهدد حياة الإنسان وينغص عيشه الآمن والمستقر، لذا فعلى جميع المؤسسات والمنظمات الدينية، بذل الجهود وإيجاد أرضيات العمل المشترك في إطار أسس وقيم الفضيلة"، مؤكداً أن على المؤمنين العمل بشكل مشترك من أجل وضع حلول لقضايا من قبيل الإدمان على المخدرات والكحول والعنف ضد المرأة والأطفال المتسربين من المدارس، إضافة إلى الجوع والبؤس والكره والعنف، وتدهور التوازن البيني في العالم، فضلاً عن كافة أنواع التطرف الديني وحرية الاعتقاد، بدلاً من مناقشة الأبعاد اللاهوتية للحقيقة.
وأردف قائلاً " كما ينبغي العمل من أجل إعلاء أخلاق وقيم العيش المشترك بين أصحاب الثقافات القديمة ضمن أجواء مفعمة باحترام القانون، وذلك ضمن خطة لمواجهة الجهود الرامية لنبذ عمليات الإقصاء التي تستند إلى الدين والمذهب، لذا كان حرياً بنا أن نجعل من القدس التي تمتلك قدسيةً لدى أتباع الأديان السماوية الثلاثة، مدينة تنعم بأخلاق العيش المشترك وتطبيق أعلى معايير القانون كما كانت بالأمس، بدلاً من حالة النزاع والقتال التي ترزح تحتها تلك المدينة المقدّسة".
وأكد غورماز إلى أن العالم اليوم بحاجة للصوت الإلهي والرسالة المباركة التي بشر بها الأنبياء، مضيفاً "إننا اليوم كما قال سيدنا داود في المزامير 106/3 (طُوبَى لِلْحَافِظِينَ الْحَقَّ وَلِلصَّانِعِ الْبِرَّ فِي كُلِّ حِينٍ) نبحث عن الحق والعدالة، وإن جميع سكان الأرض ومظلوميها والمهاجرين، يودون سماع رسالة نبي الله موسى عليه السلام التي تقول "ولا تضطهد الغريب ولا تضايقه لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (العهد القديم، سفر الخروج 22، 21)".
وقال غورماز إن "البشرية اليوم، تتطلع نحو تحقق العدالة التي بحث عنها السيد المسيح "هذا هو، عبدي الذي اصطفيته، هو أيضاً سوف يوصل صوت العدالة لجميع الشعوب. دون شجار أو صراخ، لن يسمع أحد صوته في الطرقات". (العهد الجديد، متى، 17-20). كما أن العام بأسره يبحث اليوم عن العدالة وقيم الحق، التي بلغ عنها نبي الهدي والهدى والعدل والعقل محمد من خلال القرآن الكريم "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (القرآن الكريم، المائدة، 8)".
وأشار غورماز أن الحكمة القديمة هي تراث للجميع، وتاريخ واحد، وعالم واعد بالنسبة لكافة البشر، لافتاً أن ما يحدث على الأرض اليوم يؤثر على البشرية جمعاء، داعياً الجميع إلى التفكير كبشر في حال الإنسانية، والابتعاد عن استخدام كلمات "أنا"، و"أنت"، مضيفاً "فلنفكر ما الذي يمكن القيام به حيال مستقبلنا. دعونا نبني مستقبلنا، دون أن نصبح آلة تخدم مصالح الآخرين، ودون الاعتماد على خطابات العداء أو النبذ، ولنرفض جميع أشكال العنف ولنعلي كرامة الإنسان، ولنحب الخلق من أجل الخالق، كما دعونا نحول المخاوف إلى آمال، ولنتضرع إلى الله تعالى، من أجل أن يحقق آمالنا ويبدد مخاوفنا بشأن مستقبل البشرية، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن يحيطنا بأنواره، وأن يرشدنا إلى طريق الصواب.
news_share_descriptionsubscription_contact
