إسطنبول/ الأناضول
قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران، إن مستقبل العالم الرقمي لا يمكن تركه أبدا في أيدي قلة من الجهات النافذة، مؤكدا أن هذه المسألة تمثل بالنسبة إلى تركيا قضية سيادة رقمية.
جاء ذلك في كلمة ألقاها، السبت، خلال مشاركته في النسخة العاشرة من منتدى "تي آر تي وورلد" الذي يُعقد هذا العام في مركز إسطنبول للمؤتمرات، تحت شعار "عالم بلا مركز: من يقود عندما تصبح القواعد بلا جدوى؟"
وانطلقت فعاليات المنتدى الجمعة، وتُختتم السبت، بتنظيم من هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي آر تي)، وبمشاركة سياسيين وأكاديميين وصحفيين وخبراء من مختلف دول العالم.
وتحدث دوران خلال جلسة بعنوان "من يملك السيطرة في عصر الخوارزميات؟ الشركات، الدول، المواطنون"، ضمن فعاليات اليوم الثاني للمنتدى.
وأوضح أن القضية المطروحة تتعلق في جوهرها بالسيادة والعدالة، وأحيانا بالإنسانية نفسها، مشيرا إلى أن الصحافة شهدت لعقود وجود ما يُعرف بـ"حراس البوابة"، وهم المحررون الذين كانوا يقررون مدى صحة الأخبار، ومدى خدمتها للمصلحة العامة، وإمكانية نشرها دون التسبب في أضرار غير مبررة.
وأضاف: "لا أحاول هنا إضفاء المثالية على تلك المرحلة التقليدية، فنحن جميعا نعلم أن الصحف لها أيضا مالكوها ومصالحها التجارية وانتماءاتها السياسية، لكن خلف كل قرار تحريري كان هناك إنسان معروف بالاسم والهوية، وله التزامات مهنية ويمكن مساءلته عن قراراته".
ولفت دوران إلى أن الخوارزميات بدأت تحل تدريجيا محل "حراس البوابة"، قائلا: "لم يعد أمامنا وجه يمكننا مساءلته، أو شخص يمكن تحميله مسؤولية قراراته. فقد يكون الخبر صحيحا، وخضع لعملية تحقق دقيقة، ويحظى بأهمية كبيرة للرأي العام، لكنه قد لا يصل أبدا إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى معرفته بسبب خوارزمية ما. وفي المقابل، يمكن لادعاء مضلل أو منشور تحريضي أن يعبر القارات في غضون دقائق".
وتابع: "يثير هذا الوضع سؤالا جوهريا: من يقرر الأخبار التي تصل إلى ملايين الأشخاص، وتلك التي تختفي عن أنظار الرأي العام؟ والأهم من ذلك، مصالح من تخدم هذه القرارات؟ أعتقد أننا جميعا نعرف الإجابة. فالخوارزميات ليست محايدة، إذ تقف وراءها خيارات بشرية تخدم مصالح تجارية، وأحيانا سياسية. ويكمن الخطر في أن حفنة من الشركات، عندما تتحكم فيما يراه الناس، تبدأ أيضا في تشكيل ما يفكرون فيه".
وأشار دوران إلى أن هذه المخاطر تنعكس على العمل الصحفي، موضحا أن الصحفي قد يقضي أسابيع في مقابلة الشهود وفحص الوثائق والتحقق من صحة خبر ما، فيما تدفع المؤسسة الإعلامية أجور المحررين والمترجمين والخبراء القانونيين، لكن وصول الخبر إلى الجمهور بعد نشره على الإنترنت يصبح رهنا بخوارزمية لا يستطيع الصحفي تفسير قراراتها.
وأوضح دوران أن تأثير الخوارزميات يمتد ليشمل مستقبل الذاكرة الجماعية، مبينا أن لكل أمة تاريخها وثقافتها ولغتها وقيمها الخاصة، لكن الأجيال الشابة باتت تتعرف بصورة متزايدة على تاريخها وتراثها الثقافي عبر المنصات الرقمية.
وأضاف أن الخوارزميات لا تقتصر على تشكيل المعلومات، بل تؤثر أيضا في الآراء والتوجهات، متسائلا عما إذا كان الناس لا يزالون يشكلون قناعاتهم بحرية، أم أن هذه القناعات باتت تُصاغ نيابة عنهم، في ظل اختيار المحتوى الذي يقرؤونه ويشاهدونه بناء على المصالح التجارية والتنبؤات المتعلقة بسلوكهم.
وأشار دوران إلى أن بعض المفكرين يصفون الاعتماد المتزايد على شركات التكنولوجيا الكبرى بمفهوم "الإقطاع التكنولوجي".
وأوضح أن هذا المفهوم يعكس واقعا تسيطر فيه حفنة من الشركات على المساحات الرقمية التي يتواصل عبرها مليارات الأشخاص، ويحصلون من خلالها على المعلومات ويعبرون عن آرائهم.
وأضاف أن هذه الشركات تضع القواعد وتغيرها وفق تقديراتها الخاصة، وتتخذ قرارات تؤثر في مجتمعات بأكملها، بينما لا يمتلك المتأثرون بهذه القرارات غالبا حقا كافيا في إبداء الرأي أو الاعتراض عليها.
وتابع: "تقول شركات التكنولوجيا إن السيطرة بيد المستخدمين، لأنهم يقررون ما يشاهدونه ويقرؤونه وينشرونه. لكن إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا الاختيار حرا إذا كانت الخوارزميات قد قررت مسبقا ما سيظهر أمامنا على الشاشات؟"
ولفت دوران إلى أن الدول تمتلك صلاحية سن القوانين ووضع اللوائح التنظيمية، لكن شركات التكنولوجيا العملاقة تتجاوز الحدود، وتسيطر على كميات هائلة من البيانات، وتمتلك موارد تفوق موارد العديد من الدول.
وأكمل: "أؤمن من أعماق قلبي بأنه لا يمكننا أبدا ترك مستقبل العالم الرقمي في أيدي عدد قليل من الجهات الفاعلة القوية. وبالنسبة إلى تركيا، تمثل هذه المسألة أيضا قضية سيادة رقمية. إذ ينبغي أن تكون كل أمة قادرة على حماية بياناتها، والحفاظ على هويتها الثقافية، ورواية قصتها للعالم".
وأكد أن تركيا تدعم التقدم التكنولوجي وتدرك الفرص الاستثنائية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والابتكارات الرقمية، لكنه شدد على ضرورة أن يخدم التقدم التكنولوجي الناس والمجتمعات، وأن يحترم حقوقهم وقيمهم وحريتهم في اتخاذ خيارات مستقلة.
وقال دوران إنه يؤمن بأن ثلاثة مبادئ أساسية ينبغي أن توجه الجهود الرامية إلى ضمان بقاء التكنولوجيا في خدمة الإنسانية.
وأوضح أن المبدأ الأول هو المساءلة، مشددا على أنه لا يمكن لشركات التكنولوجيا أن تتمتع بهذا القدر الكبير من النفوذ في الحياة العامة دون أن تتحمل مسؤولية قراراتها.
وأضاف: "نحتاج إلى مزيد من الشفافية بشأن آلية عمل الخوارزميات. وينبغي أن يتمكن الناس من فهم أسباب تقييد محتواهم، ولماذا تحظى معلومات معينة باهتمام أكبر من غيرها، وكيف يمكنهم الاعتراض على القرارات التي يرون أنها غير عادلة".
وأشار دوران إلى أن المبدأ الثاني يتمثل في العدالة في توزيع المحتوى عبر الخوارزميات، قائلا إنه لا يمكن القبول بعالم رقمي تصل فيه أصوات معينة إلى ملايين الأشخاص، بينما لا تكاد أصوات أخرى تُسمع.
وشدد على ضرورة تطبيق مبادئ الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير والمعاملة العادلة على الجميع بالتساوي، بصرف النظر عن الجنسية أو اللغة أو مكان الإقامة.
وأكد دوران أن المبدأ الثالث هو التعددية، موضحا أن العالم الرقمي ينبغي أن يعكس تنوع العالم، وألا تنفرد أي دولة أو ثقافة أو شركة بالهيمنة عليه.
واستطرد: "لقد ذكّر رئيسنا (رجب طيب أردوغان) المجتمع الدولي مرارا بهذه الحقيقة من خلال قوله: العالم أكبر من خمس. وأؤمن بأن المبدأ نفسه ينبغي أن يوجه رؤيتنا للعالم الرقمي أيضا. فالعالم الرقمي أكبر من حفنة من شركات التكنولوجيا، وهو ملك لأشخاص من مختلف الأمم والثقافات واللغات، وينبغي أن تجد أصواتهم وتجاربهم ووجهات نظرهم مكانا لها في البيئة المعلوماتية العالمية".
وأكد دوران أن بلاده عازمة على الإسهام في بناء نظام رقمي أكثر عدالة وشمولا، مشيرا إلى أن هذا الإصرار ينعكس في أعمال هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية ووكالة الأناضول.
وقال إن المؤسستين تواصلان إيصال الحقيقة إلى المشاهدين والقراء في مختلف أنحاء العالم من خلال البث بلغات متعددة، وتعملان بتفان كبير لمكافحة التضليل وضمان وصول الناس إلى المعلومات الموثوقة.
وواصل: "الأهم من ذلك، أنهما تمثلان صوت الأشخاص الذين لا تتاح لهم فرصة إسماع أصواتهم بطرق أخرى، وتنقلان قصصهم إلى العالم. كما تدفعان أحيانا ثمنا إنسانيا باهظا للغاية أثناء أداء هذه المهمة".
وأشار إلى أن المصور الصحفي الحر في وكالة الأناضول منتصر الصواف استشهد في غارة جوية إسرائيلية على قطاع غزة، فيما أصيب مصور قناة "تي آر تي عربي" سامي شحادة بجروح بالغة أثناء تغطيته الأحداث في القطاع، ما أدى إلى فقدانه ساقه اليمنى.
ولفت دوران إلى أن هؤلاء الصحفيين يخاطرون بحياتهم من أجل إيصال ما يحدث للعالم، لكنه أشار إلى أنه لا يوجد أي ضمان بأن يرى العالم الحقيقة حتى عندما تكون موثقة.
وأردف: "لقد حُذفت أخبار وصور واردة من غزة من منصات رقمية كبرى، أو قُيّد الوصول إليها، أو صُنفت على أنها محتوى حساس أو عنيف. وحتى منظمات حقوق الإنسان المستقلة وثقت كيف تقيد الأنظمة الآلية العمل الصحفي المشروع، وتسكت أصوات الفلسطينيين".
وأضاف أن ذلك يضع العالم أمام أحد أكثر أبعاد التضليل إثارة للقلق في عصر الخوارزميات، موضحا أن التضليل يُفهم عادة على أنه نشر الأخبار الكاذبة، لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما تصبح الحقيقة نفسها غير مرئية؟
وتابع: "ماذا يحدث عندما يخاطر الصحفيون بحياتهم لجمع الأدلة، بينما تمنع الخوارزميات أعمالهم من الوصول إلى الرأي العام؟ عندما تصبح الحقيقة غير مرئية، يزداد التضليل قوة".
واختتم دوران بالقول إن السؤال المتعلق بمن يمتلك السيطرة في عصر الخوارزميات لا يقل أهمية عن السؤال المتعلق بمن ينبغي أن يمتلكها، مضيفا: "إجابتي هي أن السيطرة ينبغي أن تبقى في أيدي البشر القادرين على التفكير والدفاع عن الحقيقة وتحمل مسؤولية خياراتهم. وبدلا من تسليم دفة التوجيه إلى الخوارزميات، علينا أن نمنحها توجها إنسانيا وأخلاقيا. وأؤمن بأن هذه الجلسة ستكون خطوة تنير الطريق نحو نظام أكثر عدالة".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
